1954, مجلة النور, مقالات

المؤتمر المريميّ / ألقي هذا الحديث من الإذاعة اللبنانيّة، الفصح في 25 نيسان 1954 / مجلة النور، العدد 9 و10، أيلول وتشرين الأول سنة 1954

بين العشرين والرابع والعشرين من تشرين الأول قامت الطوائف الكاثوليكيّة باحتفالات دينية في بيروت. وضواحيها دعيت «المؤتمر المريميّ» وذلك تعييدًا لمرور مئة سنة على إعلان عقيدة الحبل بلا دنس واشتركت في هذه الأعياد عشرات الألوف من أبناء الكنيسة الرومانيّة بالصلوات والخدم الدينيّة المختلفة والمحاضرات والطواف بتمثال للعذراء خشبي. وكان هذا المؤتمر من الأهمية بحيث أَوفد بابا رومية الكردينال رونكالي لتمثيله فيه. وذكر قداسته في البراءة التي أرسلها إلى المونسنيور انجلو رونكالي أن هذا المؤتمر انما «تتأهب الأمة اللبنانيّة لإقامته في بيروت» وتثبيتًا لهذا الزعم احتاط الأساقفة الكاثوليك الذين أقاموا هذا المؤتمر بلجنة فخريّة تمثل بعضًا من كبار الزعماء السياسيين في لبنان من الطوائف المسيحيّة العديدة والإسلاميّة والدرزيّة وسعوا لإقناع غير الكاثوليك في الصحف جميعًا والنشرات وبرنامج المؤتمر انهم هم أيضًا يقيمون هذا العيد ويحتفلون بهذا الإكرام. وقد استعملت في النشرات جميعًا عبارة «العبادة لمريم العذراء» تلك العبارة التي تخدش آذان غير الكاثوليك قاطبة مسيحيين كانوا أَم غير مسيحيين. ثم حشدت المظاهر كلّها وحشدت الدولة لإيهام الناس ان المؤتمر هذا يقيمه لبنان بحكومته وشعبه والحكومة كان لا بد لها أن تستقبل المبعوث البابويّ كماتستقبل الملوك والبابا ملك زمني على دولة زمنية. لقد ساعد هذا الالتباس بين الكنيسة الرومانيّة ودولة الفاتيكان لإعطاء هذا المؤتمر الصبغة الرسمية التي اتخذها.
ان قول البابا بيوس الثاني عشر بأن الأمة اللبنانيّة تحتفل بالمؤتمر المريميّ يدل على أحد الأمرين اما انه يستطيع ان يتكلم باسم لبنان ويعبر عن شعور شعب لبنان وعلى افتراض انه يستطيع يكون – إذا تكلمنا فقط عن المسيحيين- متجاهلًا موقف الأرثوذكس من عقيدة الحبل بلا دنس وموقف الإنجيليين من إكرام والدة الإله عامة أو انه يعتبر أن الطوائف الكاثوليكيّة هي وحدها «الأمة اللبنانيّة». وإذا كان الأمر الثاني هو ما يجول في فكر الأسقف الروماني – وعلى كل هذا يجول بصورة أكيدة في فكر القائمين على المؤتمر كما يتبين من النصوص – فهذه ملابسة مريعة بين الكنيسة وشعب من الشعوب. لا ريب ان الكثيرين من اللبنانيين لا يرضون بهذا الالتباس بين بلادهم وطائفة من هذه البلاد ولكن الأمر المخوف حقًّا من الناحيّة الروحيّة ان يقع مسيحيون في فكرة التوحيد بين كنيسة وجسم سياسيّ. ولقد كفرت البابوية شارل موراس بالضبط لتوحيده بين الكثلكة والقوميّة الفرنسيّة. لقد رفضت الكثلكة رسميًّا أن تُعتبر مبررًا ودعامة للقوميّة الفرنسيّة فإذا بها تريد اليوم أن توحد نفسها مع «الأمة اللبنانيّة». ولكن يظهر أن البابويّة بعد الحرب الأخيرة عدلت عن هذا الموقف وهي تحاول أن تخلط بين نفسها وبين بعض الأحزاب والكيانات السياسية والدول ظنًا منها أنّها تتقوى بذلك.
بهذه المناسبة يجدر بنا أن نلفت اخواننا إلى أنّهم إذا انتقدوا عقيدة غير أرثوذكسيّة يجب عليهم أن يعرفوا ما ينتقدونه فكثيرًا ما سمعنا الناس يظنون أن الحبل بلا دنس يعني حبل مريم بيسوع! في هذا الموضوع ليس خلاف بين المذاهب المسيحيّة. ومنهم من ظن أن الكاثوليك يعتقدون بأن مريم جاءت إلى العالم بطريقة عجيبة خارقة للطبيعة. ان عقيدة الحبل بلا دنس تقول بأن نزه مريم لحظة الحمل بها من الخطيئة الجديّة لأنه أعدَّها لتخدم سرّ التجسد. من هذا التحديد ينبغي أن نعين موقفنا. هم لا ينفون بان المسيح هو مخلص العذراء وبأنه خلّصها بالفداء ولكنهم يقولون أن أثر هذا الخلاص كان سابقًا لحدوث الفداء بامتياز خاص من الله. هذا رأي جاهر به بعض اللاهوتيين البيزنطيين وقال به القدّيس الروسيّ ديمتري روستوفسكي في القرن السابع عشر فلا حرج على الأرثوذكسيّ أن يقول به. يقول بعض الأرثوذكسيين أن الله محا الخطيئة الجديّة لمريم حين البشارة. إِذن يعترف هؤلاء بأن الله يستطيع أن يفدي قبل الصلب. هذا القول ليس أسهل من الحبل بلا دنس. يمكن أن يعتبر الحبل بمريم بدون دنس الخطيئة الجديّة رأيًّا لاهوتيًّا ولكل إنسان الحقّ بإبداء الآراء ان كانت لا تتعارض والإيمان الصريح. يمكن المؤمن أن يتكلم حيث سكت الكتاب والتقليد.
من هذا القبيل يجوز اعتبار الحبل بلا دنس رأيًّا من الآراء الشرعيّة ولكن لا يجوز أن يفرض كعقيدة على الكنيسة الجامعة. إذا كان رأي لا أساس له في الكتاب ولا في القرون الأولى – الحبل بلا دنس قول غير كتابي وغير تقليدي – فلا يجوز إكراه المؤمنين عليه. والواقع انه رأي انبثق في القرن التاسع وأَنكره الكثيرون ومنهم توما الاكويني زعيم اللاهوت الغربي بغير منازع. أما الصلوات الشرقيّة التي تستند إليها روميّة لتبرير عقيدتها تلك الصلوات التي تقول بطهارة مريم وبراءتها من كل عيب فلا تقيم الدليل الا على أنّها لم ترتكب خطيئة من الخطايا بإرادتها وهذا ما يمكن ضمن اللاهوت الغربي بدون استدعاء فكرة الحبل بلا دنس. ان غرابة الشرق عن العقيدة هذه عبر عنها البطاركة الشرقيون برسالتهم إلى البابا. ومن جهة ثانية أَصبح الحبل بلا دنس عقيدة بإعلان البابا لها. صفتها العقائديّة مستمدة من المرجع الذي أعلنها ذلك المرجع الذي لا نعترف به لمثل هذه الأمور.
وإذا ما نظرنا إلى المكانة التي صارت لمريم في كنيسة الغرب يحق لنا أن نضطرب. ان إعلان الحبل بلا دنس وانتقال السيدة إلى السماء عقيدتين من عقائد الوحيّ الإلهيّ أمر يجعلنا نقول أن الكثلكة تهتم كثيرًا بأمور دينية قد تكون ذات شأن وكرامة ولكنها على هامش سرّ الخلاص. للعذراء علاقة وتقى بسرّ الخلاص لأنّها جعلت التجسد ممكنًا والكنيسة تنظر إليها من خلال هذه العلاقة. فإذا ما تعدّى اللاهوت هذه الحدود فإنما يكون ذلك من قبيل الرياضة العقليّة كما يقول أوريجانيس أو من قبيل التقوى وقد أوصانا الآباء ألا نتجاوز الحدود التي وضعها الرسل لنا. فإذا تجاسرنا وتجاوزنا نكون على غير حق ان سعينا لفرض نتيجة بحثنا على الكنيسة جمعاء. وحتى إذا قُبلت هذه الآراء لدرجة صيرورتها أعيادًا أو دخلت في الأناشيد الكنسيّة فهذا لا يعني أن الكنيسة قبلتها في وجدانها العقائديّ.
ثمّ ظهرت التحديدات العقائديّة في الكنيسة لأنّه لم يكن بدّ من إعلانها، لأنّها كانت ضروريّة لمكافحة البدع. ولكن الكنيسة ما كانت تعنى بإعلان عقيدة لكون المنطق اللاهوتي يفرضها. ان الكنيسة الغربية تعشق البنيان اللاهوتي المحكم منطقيًّا وتسير من استنتاج إلى استنتاج حتى يمكن القول أن مثلها الأعلى في أن تعلن كلّ التعليم المسيحيّ عقائد. أعلنت رئاسة البابا فبقي لها أن تعلن عصمته فأعلنتها حتى تنجز التعليم عن شخص البابا. حدّدت الحبل بلا دنس فرأت أن تعلن الانتقال وقال اللاهوتيون ان هذه نتيجة لتلك. ولا عجب إذا ما أعلنت عن قريب أن مريم وسيطة لكل نعمة أو أنها شريكة المسيح في عمل الخلاص كما يقول علماؤها. وإذا قالت ذلك تقول ان هذه العقائد من صميم الوحيّ الإلهيّ ما دامت السلطة القائمة في رومية هي المرجع الحيّ لمعرفة الوحيّ وإعلانه.
هذه الاستنتاجات شأنها أن تجعل الكاثوليكي ينظر إلى العذراء نظرة مستقلة عن عملها في سرّ التجسد، أن ينظر إليها بالاستقلال عن ابنها وهذا الاكرام المستقل لا أساس له بل هو خاطئ حتمًا. ليس من باب الصدفة أن يرسم الغربيون مريم وحدها دون الطفل أو أن يقيموا تمثالها وهي لا تحمل الطفل. ليس هذا سوى التعبير الفنيّ عن هذه النزعة الدينية التي تجعلهميكرمون العذراء منعزلة عن ابنها ومنعزلة بالتالي عن سرّ التجسد.
ان كنيسة الشرق تمجد والدة الإله بعبارات من الشعر فيها تبجيل أكثر من صلوات الغرب ولكنها جميعًا تجعلها مرتبطة بسرّ التجسد وهذا ما يطمس انعزالها عن المسيح. ان الأمم تتفاوت باستعمال المديح وقد بلغ الشعراء المسيحيون في الشرق الذروة في الثناء على والدة الإله وقد لا يقبل الغربي حتى إذا كان أرثوذكسيّ العقيدة خدمة المديح الذي لا يجلس فيه. ان في هذا الشعر لخطرًا ان أراد اللاهوتيون ان يتمسكوا به حرفًا وأن يسكبوه فيتعابير لاهوتية. ولكن الكنيسة لم تشأ حتى اليوم أن تجعله عقائد ففرقت بين الشعر الطقسيّ والإيمان في حين ان الغرب الذي بقي دوننا في ثروته الشعريّة تجاوز صمتنا خطوات وأبدع في الإيمان بحيث لا يجوز لنا أن نتبعه ونحن أُمناء للعقيدة القيمة.
«قام المسيح» حقيقة تُعاش والجميع مدعوون لعيشها، لماذا يكره الناس الحياة؟ وان مات المسيح فلكي يلاقي الموت على عرشه نفسه ويصرعه: «وطئ الموت بالموت». إذن فهنيهة موت المسيح هي بالضبط هنيهة ظفره وقوته، لا هنيهة ضعفه وإنسانيته. المسيح إله في الموت كما كان إلهًا في تنازله وإلهًا في الآمه. فلا يجوز أن يقف موت المسيح حاجزًا أمام قيامته، قام المسيح وقد قام بالضبط عندما مات ولم يكن غيابه عنا انقطاعًا ولكنه غياب حبّة القمح في الأرض، تعيش وتتفتح وتعطي ثمرًا.
قام المسيح بكر الخليقة ومقدمة الراقدين. قام المسيح وأقامنا معه وأجلسنا في السماويات معه. قام المسيح ونحن به أبناء الله وورثة لملكوته.
«أن يتألم المسيح ويكن الأول في قيامته من الأموات، يعلن النور للشعب وللأمم». لا يا صاحب المعالي لست مجنونًا، بالعكس، ان الكلمات التي أنطقُ بها كلماتُ حقيقية: «قام المسيح» هذه كلماتُ ليست من الهذيان على شيء.

Continue reading
1956, مجلة النور, مقالات

الكاهن الأرثوذكسيّ / مجلة النور – العدد 5 – أيار 1956

«عهدي مع لاوي للحياة والسلام، وآتيته التقوى فاتقائي وهاب اسمي. شريعة الحق كانت في فمه والاثم لم يوجد في شفتيه. سار معي بالسلام والاستقامة، ورد كثيرين عن الإثم، لأن شفتي الكاهن تحفظان العلم، ومن فيه يطلبون الشريعة إذ هو رسول رب الجنود» (ملاخي 2: ٥-٧).
من هو الكاهن؟ وكيف يجب أن يكون؟ وكيف يجب أن يُعد؟ وما هي شروط معيشته؟ وما هو محيط خدمته؟ هي حدود موضوعي إليكم.
1- من هو الكاهن؟: الكاهن يعرف عنه الكتاب وتراث الكنيسة على أنه وكيل أسرار الله وخادم الكلمة. فالكاهن نذير الله لا هم له في الأرض غير قضية الله. عمله جهاد الخطيئة والجهل في نفسه وفي الآخرين. ولا يتم هذا الجهاد عنده ما لم ينكب على تعلم الكلمة وتعليمها، ما لم يصغ إليها تواجهه وتعريه، وعندئذ يقرر أن يقوم بهذا النصيب الأساسي من الرسالة الكهنوتية، وظيفة النبوة التي تأمره بالإنذار والشدة والضيق على كل من يفعل الشر، وبالتبشير بالمجد والكرامة والسلام لكل من يفعل الصلاح.

2- كيف يجب أن يكون؟: هذه المهمة يتممها عن طريق العبادة والوعظ وشتى وسائل الرعاية ولا سيما بالاحتكاك الشخصي حيث يكون أداة رحمة يسوع وكاشف أسراره للأذهان والقلوب. من فمه تطلب الشريعة، وجوابه مقنع إن كان صحيحًا مستمدًا من الحقيقة المدروسة والراسخة في عقله، (لأن الحقيقة لا ترتجل) وإذا كان يعطي بسلوكه برهانًا على اقتناعه هو بصحة ما يقول. فالكاهن فاعل في النفوس إذا كان مستوفيًّا شروط السيامة التي يعددها الرسول، إن كان بلا لوم عاقلًا محتشمًا مضيفًا للغرباء صالحًا للتعليم، غير مدمن الخمر، ولا ضراب، ولا طامع بالربح القبيح، بل حليمًا، غير مخاصم ولا محب للمال، له شهادة حسنة من الذين هم من خارج.

إن صلاح الكاهن أساسي في فاعلية الكنيسة، فإن أردنا لهذه الكنيسة وجودًا في التاريخ فلن تحصل على ذلك إلا بطاعتنا للكتاب. ولذا قد تكون الحاجة ماسة في بعض الأماكن التطبيق القانون على من يشد منا نحن الكهنة شذوذ صارخًا معيبًا عن القواعد الموضوعة في المجامع بشأن المسلك الكهنوتي. من هذه القواعد قطع الراشي والمرتشي، إن نقاوة الكنيسة من وباء السيمونية للشرط الرئيسي لكل نهضة فيها. وإن أية مساومة مع خطيئة الرشوة، وأي سكوت عنها لاشتراك في أقبح الجرائم جريمة يهوذا، وبيعُ القربان المقدس من أيد أثيمة ملطخة بالعار والنفاق. فإذا شئتم نظافة في الجسم الكهنوتي، ينبغي أن تقفوا سدًا منيعًا دون ظهور الرشوة إلى حيز الوجود. إن سلامة ضمائر كم تختبر في الموقف الذي تقفونه تجاه السيمونية وبركة القديسين تشملكم إن أوقفتم كل سيامة تأكدتم أنها نتيجة لإنتخاب فيه رشوة، وإذا صارت السيامة فواجبكم أن تطلبوا محاكمة الراشي والمرتشي إلى أن تتزعزع الأرض.

3- كيف يجب أن يعد؟: أما في الوقت الحاضر، وإلى أن تنشأ مدرسة إكليريكية جديدة يتخرج منها أو من مثيلاتها كل الأكليروس الأنطاكي، لا يصح أن يسام كان غير حائز الصفات الخلقية التي يطلبها الرسول، وبعض المعارف التي بدونها لا يستطيع أن يمارس خدمة الكهنوت. ولذا اقترحنا في مجلة «النور» عدد آب ١٩٥٤: إنشاء ما يسمى باليونانية فرونديستيربون أي مدرسة الراشدين المنتخبين للإكليريكية يتعلمون فيها مدة سنة أو سنتين إقامة الخدم والوعظ وينالون من درس الكتاب والعقيدة والتاريخ والعلوم الرعائية ما يؤهلهم لشرح الإنجيل وتعليم دستور الإيمان. هذا هو الحد الأدنى الذي يقبل به الشرف المسيحي. إن بقاء رعية بغير راعٍ سنوات أفضل من سيامة رجل لا خلق له ولا معرفة. لأن الرجل الجاهل لكلمة الرب معثرة دائمة ومخرب الكنيسة. والأفضل أن يظل البناء بغير ترميم من أن نستأجر من يرمم فينقلب على البناء وأصحابه ويهدم ما كان يمكن بقاؤه إلى وقت يرسل الله فعلة لحصاده. لا نهضة دون توقيف سيامة الأميين والعديمي المناقب، ولا مفر من لفت الناس بشتى الوسائل إلى متطلبات الكتاب والمجامع بهذا الشأن.

الكاهن إذًا يجب أن يعد، والكاهن يعد كما يعد الطبيب والمحامي والنجار في مدرسة. إن الحد الأدنى لكل شماس وكاهن هو المدرسة الإكليريكية السمينار وهذا يمكن أن يكون على الوجه الآتي: يعطى الطالب الحاصل على الشهادة الإبتدائية أو التكميلية كل العلوم الدنيوية بحيث يحيط بالعلوم التي يعرفها صاحب البكالوريا. ويعيش في جو ديني يعبق في الصلوات والترتيل فيتقن الناحية الطقسية. ويعتني به مرشد روحي يسهر على ارتقائه الروحي ويعطي كلمته الفاصلة في قابليته للكهنوت وقدرته على البتولية. يربى الطالب على الاستقامة المطلقة والنقاوة المطلقه ويؤهل لمسيحية كلها لهفة لخدمة القريب ومحبة للجائع والمريض والخاطئ، وغليان لوضع العالم كله تحت قدمي السيد. وبعد البكالوريا يقضي سنتين على الأقل يتعاطى درس العقيدة والعلوم الرعائية.
… مدرسة يدخلها الفتيان العازبون ويبقون فيها عوامًا حتى نهاية علومهم وتبقى حريتهم في اختيار الزواج أو البتولية كاملة. وأما الكهول الذين تأتيهم دعوة الله متأخرة فينخرطون في المدرسة الرعائيّة التي سبق الحديث عنها.

4- مدرسة اللاهوت: ولكن هناك بعض الكهنة الذين لا يجوز أن يكتفوا بمستوى المدرسة الإكليريكية لأنهم يتعاطون الإنتاج اللاهوتي لهذه الكنيسة. ولذا كانت مدرسة اللاهوت العليا حجر الزاوية في نهضتنا. نحن في كل وقت نحتك بالفكر الحديث يواجهنا وينتظر منا أجوبة عن أسئلته، ونحن محاطون بالمسيحية الغربية تتحدانا. ونحن ألقيت على عواتقنا مهمة التعبير عن الجيل يسوع في العالم العربي. كما علينا أن ننقل إلى المسيحية العالمية التراث السرياني وأن نساهم مساهمة إيجابية في تدقيق اللاهوت الأرثوذكسي. وبكلمة يجب أن تحقق ذاتيتنا الأنطاكية ببعث التراث الأنطاكي، آخذين بعين الاعتبار المسيحية الغربية والفكر الحديث والإسلام وبناء اللاهوت المسيحي. آن لنا ألا تكون أطفالًا لا فكريين نضطر أن نتبنى النظريات والمواقف اليونانية أو الروسية في المواضيع المطروحة علينا. الكنيسة الأنطاكية لا يمكن أن تعتبر كنيسة مستقلة ما لم تكن ذات فكر ينشأ فيها. هذا المعهد هو الذي يؤمن تدريب المفكرين الدينيين والوعاظ الكبار ووضع الكتب الدينية المدرسة الإكليريكية وغيرها ويكون المرجع الاستشاري للمجمع المقدس في قضايا الإيمان والقانون الكنسي.
هذا المعهد ممكن تحقيقه الآن. وليس المجال واسعًا أمامنا لعرض الخطة العملية لتشييده. نحن نستطيع أن نقدم الأساتذة الضروريين وأن نضع التصميم الكامل لمعهد كهذا وأن ندرس مع من يشاء الخطة لتنفيذه.

5- وبعد التخرج؟: أن تخرج الطالب من مدرسة لاهوتية أو إكليريكية فإلى أين يذهب؟ هنا تعرض قضيتنا: قضية الملاك والقضية المالية.
أ‌- قضية الملاك: يجب أن تكون علاقة الإكليريكي برئيسه وطبيعة عمله ومجال عمله محدودة قانونًا. أي يجب أن يفهم المزمع على الكهنوت أن رئيسه مرتبط بقانون وأن الطاعة واجبة له ضمن حدود القانون أو العرف المقنن.
من الأهمية بمكان أن يعرف المرشح إلى الكهنوت مكانته في الجهاز الكنسي. وأن له الحق المطلق في أن يختار السلك الرهباني أو أن يتزوج أو أن يبقى بتولًا في الدنيا.
إن الكنيسة مضطرة لتأمين عمل ديني لمن يتخرج من معهد لاهوتي أو إكليريكي. هذا يعني أن ليس على المتخرج أن يعرض نفسه على المطارنة ليقبلوه ويسيموه. وليس عليه أن يفتش عن مركز. يجب أن يمارس نشاطه في مكان ما من الوجود ووفقًا لرغباته الروحية، وفي الكنيسة إمكانات لتحقيق كل الرغبات الروحية.

ب‌- وأما من الناحية المالية: فمن العار أن يدخل إلى أذهان الشعب أن الكاهن متسول إذا رأوه في منازلهم ظنوا أنه يأتي للقبض وأن من واجبهم أن يعطوه. هذا موجود لأن راتبه لا يقدر أن يعيل به عياله فيمنح بعض الدريهمات بمناسبة قيامه بهذه الخدمة أو تلك. أن الفصم بين الكهنوت والتسول غير ممكن إلا إذا أعطي الكاهن راتبًا ثابتًا كافيًا له ولعياله وقام بكل الخدم الدينية مجانًا. ولا حياة روحية عند الشعب إذا ربط فكرة الكهنوت بالتسول ولا كرامة للكاهن إذا مد يده يستعطي أو كبست بعض الدريهمات في يده وهو خارج من بيت زاره. هذا النظام الفاسد هو الذي ينشئ العقلية التجارية عند الإكليروس ويجعلهم متزلمين لأولياء نعمتهم. ولذا تراهم يركضون من كنيسة إلى كنيسة، يسلقون القداس سلقًا لإقامة خدمة في غير كنيسة. ويقضون ساعات نهارهم بانتظار الرزق. أنتم تريدون الحفاظ على شرف كهنتكم وشرف كنيستكم فألغوا هذا النظام الشرير نظام الدوران بين الكنائس والسمسرة وتمني موسم الموت.
لا مخرج من هذه الأباطيل إلا بإقرار نظام الرعية. هو نظام يكون الكاهن فيه مرتبطًا بطائفة معينة من الناس تعيش في قرية أو حي أو قسم من المدينة، وتصلي وكاهنها في كنيسة واحدة كل أيام السنة، وتقوم هي وكاهنها بالأعمال التعليمية والخيرية الواحدة. إنه نظام مبني على وحدة الحياة الاجتماعية لا على إرادة الكاهن أن يقتطع لنفسه هذه أو تلك من العائلات. العائلات موجودة حول الكنيسة وهو يرعاها. تكون الكنيسة في هذه الحال مركزًا ليس فقط للعبادة بل لتأدية رسالة المسيح على الوجه الكامل من تبشير وتفقد للضعفاء. إنها حياة مشتركة يقودها راع لسان حاله. «أعرف خاصتي وخاصتي تعرفني … وتسمع صوتي» (يوحنا 10: 14-١6). الكاهن موجه للجمعيات والجمعيات تابعة للرعية أصلًا وحول الكاهن مجلس الرعية المنتخب من المؤمنين. الخلية الحقيقية في الجسم الأرثوذكسي هو الرعية. أنه يضمن وحده تعهد الكاهن لأشخاص معينين وملازمة محلة معينة وسهرًا دائمًا على الأشخاص وتتبعًا لمشاكلهم، وتجنب المزاحمة بين الكهنة والتسابق على الفلس. لا شك أن عدم تعيين كاهن لرعية يلازمها في كل أعمالها الروحية والاجتماعية، ويكون قائدها ورمز وحدتها الشاملة ناتج عن فهم مشوه لطبيعة الكنيسة. أننا نسينا أن الكنيسة حياة جماعية، فحافظنا على روح الجماعة فيما يختص تجاه الملة وعزها، أي حافظنا على ما هو فارغ في روح الجماعة وأضعنا الوجه الروحي من روح الجماعة أي العيش المشترك في جماعة روحية حيّة ملموسة حول كاهن ونشاط ثقافي خيري. إنها جسم منظور يعرف أعضاؤه بعضهم بعضًا، ولذا لا يمكن أن تتجلى الكنيسة كجماعة جامعة إلا في النظام الرعائي، في التعارف الحيّ. إن نظام الرعية الذي أقرته الكنيسة المسيحية منذ القرون الأولى أعطى الرعايا كيانًا يشبه كيان الأبرشيات بحيث تكون الرعية ليس فقط خلية في الأبرشية ولكن جسمًا له حياته الخاصة وبالتالي له مقوماته الروحية والمادية ككل هيئة مستقلة في الكنيسة.
بالطبع تكون بعض الرعايا أغنى من البعض الآخر. هذا حاصل في كل بلاد العالم، ولكن القحط الشديد يمكن أن يتلافى بإيجاد صندوق للكهنة المحتاجين بإنشاء تعاونية.
أن التنظيم الصحيح ممكن في كل لحظة ولا يمكن أن ننتظر كهنة المستقبل لنفرض عليهم هذا النظام الذي هو نظام الكنيسة. ذلك لأن الإنسان الذي أعطي من الله الدعوة الكهنوتية يتردد كثيرًا للدخول في سلك شروط العيش فيه تعرقل صاحب الرسالة. فلننبه الأذهان إلى ماهية الكهنوت وسموه وشروطه الخلقية والعلمية ولنمهد الطريق لتنظيم صالح يجعل الخدمة ممكنة فعالة. والله يأتي بالكباش للمحرقة.

Continue reading
1992, محاضرات

المعية / ندوة في الأول من كانون الأول 1992

يا أصحاب الغبطة والسيادة،

الشهادة مقولة في العهد الجديد بارزة حيث المسيح هو الشاهد الأمين لكونه أبدل الخطاب الإلهي بالكلمات بخطاب الكلمة الواحد الحاضر شخصًا. فإذا كنت أنت فى الحضرة وغدوت أيقونة لها تقول هذاه الحضرة. لقد بينت في موضع آخر بإسهاب ان الشهادة والقداسة واحد. من هنا ان الكنيسة مجتمعةً جسدًا للمسيح هي أيضًا شاهدة وفق قوله المبارك: «بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي ان كان لكم حب بعضكم لبعض». فالشهادة مرتبطة بالوجوه المحققة كما انها مرتبطة بالكنيسة ملكوتية الوجدان، أخروية. من هذه الزاوية أن نشهد معًا هو أن نشهد منقسمين وفي هذا تناقض في التعبير. يتعذر أن نشهد معًا والمعية في تاريخ الناس، في جسد الناس زالت.

ولكن المعية تبدأ بأن تكون قصد المعية ومحاولة تصميمها وإقامة معالم لقاء بيننا. هي في ذلك الصبر على الزمان الرديء الذي قد يزيده جيلنا إفسادًا بعد أن ورثناه بحيث نقلّب الميراث الواحد الذي نريد استعادته على خصائص كل جماعة في محدوديتها. أن نحب ما كنا عليه من مجد في وحدانية الإيمان على ما نحن عليه من شقاء اليوم وأن نؤكد بعض صور من معيتنا في الإخلاص بلا خوف على ذاتية الطائفة هو ما نستطيع القيام به على هذه الأرض الطيبة ونحن على صعيد أنطاكية وحدها لن ننجز الوحدة العالمية وهذه لها منبرها أو منابر ولكن قد نوحي بأن الأخوّة ممكنة ليس بلاغيًّا ولكن في المعايشة الرعائية.

هذا ليس كل شيء إذ لا يسوغ أن نستهين بالفروق اللاهوتية ولكن إذا خرج المؤمنون إلى القيامة يسعون إلى الأقصى لئلا يمزقون ثوب المسيح غير المخيط. الصعوبة تكمن في هذا انك تريد في الانقسام ان تقف إلى جانب الأخ الآخر وكل التراث القانوني يمنعك ان تشاركه الصلاة. ماذا يعني تاليًا انك اليوم تصلي معه؟ هل هو مجرد تعبير عن ملل الانفصال وتعبه أم هذا تعبير عن وحدة ما. الآخر يريد تجاوز ما قد يكون ألصق به من بدعة أو احتسب كذلك. هذه الإرادة ثمرة نعمة أي نحن في الإصرار على الوحدة ولا نعرف بعد صورتها أو كل مضمونها العقدي. فما بتنا في مقاصد الوحدة لنا أن نقوم بهذا التدبير الكنسي أو ذاك ا لذي يُقلّ من جراحنا ويدنينا من الشهادة بقدر لأنه يكون قد أقامنا في الحب ان لم يقمنا في الفهم الكامل.

سأحاول أن أتناول في هذه العجالة المواجهات التالية:

  1. المعية في الأرض الأنطاكية

أنطاكية أمنا جميعًا لها وجهها في التفسير والليتورجيا والنسك ولها آباؤها الميزون بأي لغة كتبوا وكانت في العهد الرسولي حسّ المسيحية بالأمم وانطلاقتها اليهم وفي زعمي انه إذا التمع من كانت السريانية لغتهم بخاصة في الشعر والتغني بالجمال الإلهي فقد برز أهل اللسان اليوناني بالفكر اللاهوتي الذي غدا ينبوع الإنشاد وان التفريق بين أهل اللغتين كان تفريقًا مصنوعًا. لم تكن الروحانية مختلفة هنا وثمة وما كانت الرهبانية مثناة. وإذا رأينا إلى الجذور فالليتورجية البيزنطية فرضت على من سُموا الملكانية بسبب من التهجير القسري في بدء الفتح العربي وإبان الفتح الفرنجي. من هنا لكم أن تفهموا أيها السادة الأجلة عمق الجرح الذي وُسم به الجسم الأرثوذكسي وما يحسه هذا الجسم بكل ما يتصل بالحضور الغربي في هذه البلاد. فالتحدي القائم موضوعيًّا في البيولوجية الأرثوذكسيّة إذا صحت التسمية هو أن وحدة عضوية كانت قائمة هنا مزقها الحلول الغربي. والتعبير الكنيساني عن هذا هو انك لا تستطيع ان تترك اخوتك في الكنيسة المحلية لتلتحم بآخرين ولو بدا لك ذلك مصالحة مع ما اعتُبر كنيسة عالمية. أنطا كية كلها تصالح أو تنتظر. أنطاكية في وحدتها مع الشرق كله تصالح أو تنتظر. ذلك كان الألم ومع ذلك لا بد لإخوة تشرذموا على أرضنا أن يرثوا من النعمة صيغة تفاهم على رجاء وحدة الدنيا المسيحية بكاملها.

لا بد من رؤية نابعة من الذاكرة التاريخية الواحدة السابقة لحركات الاتحاد بالكنيسة الغربية. التنسيق الرعائي هو المبتغى. يمكن بناؤه على مقولة الكنائس الشقيقة إذا أحببتم أن نستعير من البابا بولس السادس هذه المقولة على لبسها. ما هو أضعف الإيمان أننا على شقائنا التاريخي حظائر ولاها المسيح رعاية أغنامها حتى يضمد هو نفسه الجراح. وأنا زعيم بأن للسيد نفسه تدابير في تأزمات الإنشقاق على أن تقوم معًا وكل حيثما الله وضعه بحركة تجدد عميقة الجذور في الإنجيل حتى نحيي معًا هذا التراث الأنطاكي العظيم بلا.وجل إحياء نقديًّا بحيث يسقط ما كان غريبًا أو ابتداعًا أو مغايرًا أو هامشيًّا أو هزيلاً فنقيم في مقامات النسك والعبادة والفكر المتفجر عنهما غير مجترين اجترارًا كلام اخوة لنا كبار أكان هذا في شرقي أوروبا أو غربها. عطشنا هو إلى أنطاكية متجددة تثب من نفسها وتتطلع إلى ا للانهايات غير مقهورة، غير متشنجة، تختبر كل شيء وتتمسك بالأفضل وذلك في التجرب العلمي الكامل.

تكلمت عن حظائر ليسوع لأوحي بأن هذه المقولة أو ما شابهها هي شرط التعاون الصادق. معنى ذلك ان للمسيحيين في الشرق رعاة ولاهم الرب رعاية الأغنام الناطقة وان راعيًّا ليس بديلاً عن آخر. تاليًّا ليس من مسوغ ليقيم الأسقف علاقة رعاية لمن لم يوَّلَ عليهم. هذه النظرة تنفي اعتبار الأخ الآخر خروفًا ضل في الجبال نراوده عن نفسه أو نجتلبه إلى ما اعتبر حظيرة الحق. هذه مصالحات جماعية تهيئها النفوس المتحابة ويعد لها اللاهوتيون على رجاء يوم الرضا.

على ضوء هذا يتعين سلوكنا في مسألة المشاركة في القدسات. والفكر المسيحي الجامع يراها تعبيرًا عن استقامة الرأي متماهية مع الشركة الكنسية ومنشئة للكنيسة جسدًا للمسيح ولا يراها وسيلة لتقارب الأفراد السكارى بغنائية الوحدة فما من فصام ممكن بين سر الشكر والعقيدة المستقيمة الرأي. هذا هو التراث الموصول. ان ما اشتهاه المجمع الفاتيكاني الثاني في هذا المجال من انفتاح على الكنيسة الأرثوذكسية أو ما حسبه كذلك بلا تشاور معها انما تحسه تهديدًا لذاتية الكنائس ومن حيث انه تمييع للمسألة العقدية وتخالط عاطفي. وفي حسباني ان تلك هي العقبة الكأداء في تنسيقنا الرعائي.

على ضوء استعادة الرؤية الأنطاكية يُفهم التعليم المسيحي المشترك فإن التعليم متموضع بسبب وحدة الشهادة وبسبب ما نشتهيه لما بيننا من تناضح. والمشترك لا يزيل الخاص على أن يكون الخاص سلاميًّا، مسكوني الروح فللمشترك مطرح وللخاص مطرح وهذا يمكن تدارسه. ولكن ان جد جدنا في أنطاكية التعليم فلا بد له من مضمون أو معالم نتوافق عليها. ففي سوريا ومصر تعليم مسيحي موحد يتطلبه ا لوضع التربوي عندهم. لماذا لا نضع نحن شيئًا كهذا مختارين جوهر الإيمان على مافيه من حيوية ودسم؟

وفي الخط نفسه نجعل مدارسنا أماكن للتلاقي الحق. نقررها مسكونية في كل أبعادها حاملةً هموم الكنائس كلها فنميز مثلاً بين العبادات الأسرارية التي ليست للجميع وعبادات غير أسرارية بيبلية المضمون، أنطاكية النَفَس في الكلمة والدعاء حتى لأمكنني الحلم بانتهاج فن ليتورجي واحد في الرسم هو الأيقونة وليس هذا إرضاء لأحد ولكن استرجاعًا لما كنا عليه جميعًا.

وفي الخط نفسه أيضًا نفحص ما سماه الغرب المناولة الأولى وكانت في كل كنائس الشرق موطَّنة في المعمودية وإمارة من إمارات الانتماء الرعوي لا طابع مدرسيًّا لها.

ولن أطيل عليكم الكلام في مسألة الزيجات المختلطة التي لم تدل الخبرة على أنها صارت مطارح التقارب فيما بيننا وفي اعتقادي اننا ان لم نواجه هذه المسألة مواجهة لاهوتية قبل الخوض بالرعائيات نكون سجناء القانون المحض كنسيًّا كان أم مدنيًّا. نستكتب الفتاة كتابًا لعريسها مهينًا ويسجل الأولاد على مذهب الوالد تسجيلاً آليًا دون أن نتعرض إلى رعاية العائلة رعاية مسكونية خائفين من استلاب هنا ومن طلاق هناك. هذا الذي تأتي الأحكام الصادرة فيه أقل بكثير مما يتصور بعض. ديمومة الزواج هو التعليم الأرثوذكسي الوحيد وما عدا ذلك فتدبير كنسي مبغَض عرفته الكنيسة القديمة وعرفه الموارنة حتى السنة ١٥٢٠. الطعن في الطلاق هو المنهج الأرثوذكسي السائد اليوم. الكنائس كلها تقيم الزواج الثاني بعد انحلال الأول أسُمي هذا طلاقًا أو فسخًا من باب التعريف بالشيء أم سمي إبطالاً.

ما قيل ليس سوى بعض من مسائل كل منها نتؤ بيننا وإزالته ممكنة في روحية حوار الحبة التي لا تقال قولاً ولكن تُفعل فعلاً وفي إيماني ان الحقيقة اسم من أسماء المحبة إذا استطاع البشر إدراكها في ذروتها وقد رأينا منذ سنوات أن تقام لجنة مشتركة تقوم بمسح المشاكل وعرضها على المراجع المسؤولة في الكنائس فلا نزايد في المسكونية بل نخطو معًا إلى سلام الكنائس في نزاهة كلية ويبقى البحث اللاهوتي على الصعيد العالمي كما هو قائم وفيما نرجو تعميقه بعد أن تكون انقشعت السحب ا لسوداء التي تعلو رؤوسنا هنا وثمة.

  • المعية في المشرق

هذا ما كان في مجال أنطاكية والأرثوذكسيون ليس لهم مجال آخر إذ ليس عندهم تنظيم في كل بلد ولكن لا شيء يحول دون تنظيم العلاقة على أساس لبناني وهذا له فحواه كما سأحاول تبيينه. اما على صعيد المشرق فيبدو لي ان انتظامنا جميعًا في مجلس كنائس الشرق الأوسط هو الإطار الطبيعي لتلاقينا. هناك البحث العقدي وضرورة تعظيمه وإبلاغه المكانة الأولى. أنا لست بغافل عن أهمية الذياكونيا ومسائل التربية والشباب وما إليها ولكن الإيمان قلب القلب وان طغى هنا أيضًا علينا الصعيد العالمي لكون رومية والكنائس الأرثوذكسية تلتقي في مجلس الكنائس العالمي. هنا أيضًا يبدو لي ان المسألة الرعائية التربوية تطغى. هناك شرق مسيحي لم يعرف بعد كيف تتعاون حظائره ولكن ما وجب تشجيعه هو تعارف المسيحيين في العراق ومصر وهذه المنطقة أحدهم على الآخر. اني لقد تعلمت الكثير من الأقباط وحرارة حبهم للمسيح وتقول صفوتهم انها أخذت الكثير من أنطاكية في نهضتها الحديثة. وعندي علم بأن اخوتنا في فلسطين يطالعون إنتاجنا وتنتظم عندهم جماعات روحية مما يقرأون في كتبنا. ان تبادل الخبرات في الشرق العربي والعلم بأبعاد الشهادة في كل قطر من أقطاره لمن شأنه ان يبنينا روحيًّا بناء طيبًا.

ان مجال مجلس كنائس الشرق الأوسط قابل للاتساع إلى ما يراه السادة البطاركة فيما بينهم بحيث لا نبقى أسرى النظم الموضوعة. نحن في حالة شهادة واحدة وفي أوضاع مجتمعية متشابهة وفي مشرقية حضارية واحدة وحاضرون معًا في الوجود العربي تهددنا الملية بمعناها الإثني. كيف نخرج منها بلا تنكر للخصائص إلى رحاب المسيح الآتي في هواجس الإنسان العصري الذي لا بد اننا مدركوه في بركات الحرية. الفردانية التي عرفها الإنسان الأوروبي منذ عصر التنوير أو عند ظهور الاصلاح البروتستنتي، ا لمركنتيلية التي نحن عليها والإقبال المسرف على حضارة الاستهلاك، وهذه المادية التفهة التي نذوقها في هذا الوجود الاستلذاذي السطحي ترافق لونًا من التقوى طقوسيةٍ بلا فهم كبير في نوع من الطلاق بين الصلاة والحياة.

هناك انحطاط مسيحي قبلناه يخامر لونًا من الحضارة نتغنى بها ولسنا منها في العمق على شيء. هذا السقوط ليس أمامه سوى وجدان إنجيلي رهيف تهب رياحه حيث تهب في هذا الشرق ونتلقاه جميعًا بشكران.

  • لقاء المسلمين

ان نرى إلى المسيحيين في الشرق كتلة مقهورة بسبب من الإسلام وان نتفجع على ذلك وننتظر معجزة تحررنا من هذا القهر فصورة أقلها انها ليست كل الواقع. المؤمن بيسوع ينهزم أمام خطيئته فقط لأن المسيح قد غلب العالم. المؤمن ينطح رأسه عرش الله ومطمئن إلى خلاص يرثه منه كل يوم ولا يقع الا إذا كان صغير النفس. المؤمن لا تنطفئ فيه أنوار الملكوت لأنه قرأ: «ذاك الذي كان منذ البدء، ذاك الذي سمعناه، ذاك الذي رأيناه بعينينا، ذاك الذي تأملناه ولمسته يدانا من كلمة الحياة لأن الحياة ظهرت فرأينا ونشهد» (1يوحنا 1: ١ و2). المؤمن بالسيد الظافر تحرر من رهبة العدد. «لا تخف أيها القطيع الصغير فقد حَسُن لدى أبيكم أن ينعم عليكم بالملكوت» (لوقا ١٢: ٣٢). وفي سياق لوقا هذا الملكوت في داخلنا.

هذا الإحساس في حسباني هو كل شيء، في قراءتنا لتاريخ هذه المنطقة ورؤية مكانتنا فيها. هذا يأتي من قيامة المخلص التي لا يغلبها واقع. وببركاتها حضورنا شهادي، بارز، مواجه، محاور، غافر، صابر، راج. كل منا في أخطار من أمته ومن الأمم. والشهادة خلق وايجاب وسماحة وإخصاب. ولذلك كانت قمة الحماقة عندنا تحويل المواجهة إلى جبه عنيد قائم على قوى هذا العالم. الذين يسوسون هذه الدنيا ينتمون إلى الدهر الحاضر وإلى خساسة أرباحه. والمسيحيون لا يستطيعون أن يعطوا قوى هذا العالم شيئًا ولا مكان لهم في الموازين الدولية. كل حساب للمسيحيين المشرقيين يقوم على الانتفاع من السياسة الدولية في زمن النظام العالمي الجديد غباء. لست أعلم بعد ما ستكون سياسة روسيا ان هي نهضت روحيًّا ولكن في الزمن الذي نعيشه لا يبدو لي نور في الأفق. نحن مطروحون على صليب المسيح لذلك نحن قياميون.

طبعًا ليس مسيحيو الشرق مسؤولين عن الحركة الصليبية التي اجتاحتنا جميعًا خلال مئتي سنة. انها تركت في قلوب المسلمين أثرًا لا يمحى وهم يعانون كل ضغط من الغرب العلماني اليوم على أنه صليبية ولو كانت بلا صليب. من كان عنده الدين والدنيا مجتمعين لا تطلبْ اليه أن يفرقهما عند عدوه. ولكن المسلمين حساسون لمواقف الكنيسة إذا شجبت كل اعتداء يحصل عليهم من قوى عسكرية شعوبها مسيحية. ان المسافة المطلوبة بين الأمم الغربية المعتدية والكنائس من شأنها أن تحمل المسلمين على التفكير بأن المؤمنين بيسوع ليسوا بمعتدين. ومن واجب كنائس الشرق أن تدن كل مجزرة في الأرض. لماذا دينت إبادة اليهود ولا تدان بالصراحة نفسها إبادة المسلمين هنا وثمة؟

وهنا أود ان أذكر ان في الحركات الإسلامية المعاصرة إحباطًا قادها إلى رؤية ان الرجوع إلى الإسلام هو المنقذ وان الحكم الإسلامي قد يعيد لهذه الشعوب المستضعفة كرامتها. من هذا المنظار لا يصح النظر إلى الإسلاميين على أنهم انتفاضة على المسيحية. انهم اعتزال للقوميات التي لم تحقق للمسلمين حريتهم. وعلى قدر ما تكون الحركات الإسلامية مفعمة بالحياة الروحية الحقيقية تكون أقل تشنجًا من أولئك الذين لا يعرفون التقوى ولا يمارسون الصلاة.

يبقى اننا دعاة حوار على كل المستويات: على مستوى العيش المشترك في الأرض العربية جمعاء ابتغاء التلاقي الصادق في الأخوة الإنسانية. وهنا ما يسود هو همّ الفقراء الذين هم سادتنا كما يقول القديس يوحنا الرحيم بطريرك الإسكندرية. وخدمتنا خدمة كل الفقراء إلى أي دين انتموا. ما نتمناه هو تنمية كل الشعوب في العالم الثالث الذي نحن منه وبسط كل وسائل الإزدهار لها.

ثم الحوار على مستوى الفكر الديني وقد أخذ يبرز هنا وثمة والانتقال من المواقف الدفاعية إلى مستوى الرؤية اللاهوتية الصافية التي قد تمكننا من معرفة الحقيقة أنى وقفت وقد ذهب على هذه الدروب بضعة لاهوتيين فيالغرب إلى ان في الإسلام كما فيغيره تدبيرًا إلهيًّا وإلى أن أتباعه في رعاية الله. ولعل للمسيحيين الناطقين بالعربية دورًا هامًا في كشف كل ذلك. السؤال هو ما هي قراءتنا للإسلام من منظار إيجابي؟ ما مجال تلاقينا بعد أن قضينا الأجيال نركز على مساحات التنافر.

وقد يكون خيرًا من المواجهة الفكرية المباشرة أن نبسط الإيمان المسيحي بلغة يفهمها المسلمون. قيل الانثقاف. هل نحن نردد اللاهوت الذي صاغه آباؤنا بالمقولات الفلسفية اليونانية تردادًا؟ هل مضطر كل إنسان أن يكون اغريقيا أولاً ثم مسيحيًّا أم له ان يرى نور المسيح بلغة قومه؟ فإذا دعيت الأمم إلى إنجيل الخلاص في العصر الرسولي دون أن تتهود لماذا ينبغي أن يصبح كل البشر أغارقة العقل قبل ان يتمسحنوا؟

مهما يكن من أمر فنحن نعرض على المسلمين البضاعة التي نتميز بها وهي المحبة ثم نعرض الإلهيات المنبثقة عن المحبة ونتعايش ما مكنتنا اللغة من ذلك وما مكننا الانتصار على الهوى وندع لله احتضان التاريخ.

  • المعية على أرض لبنان

هذ ا يقودنا توا إلى تحسس المعية المسيحية على أرض لبنان والمشاركة الوطنية. اسمحوا لي هنا ببيان بعض من أطروحات أولها ان من الخطأ أن نسعى إلى تكتل مسيحي وإلى مواقف مسيحية ذات طابع سياسي نطرحها إزاء ما نفترضه تكتلاً إسلاميًّا. إذ ليس صحيحًا اننا في الصف المسيحي ذوو قراءة واحدة للأوضاع وما من طائفة واحدة لها مواقف موحدة. فالإيديولوجيات تعشش في صفوف المسيحيين وولاؤهم لها ولا شيء يدل انهم تباعدوا عن كنيستهم وإيمانها وعباداتها. أليس الجمع بين الكنيسة ومواقف سياسية مفترضة أو مفروضة من الأصولية؟ وإذا كانت كنائس الخارج تقع من حين إلى آخر بهذا التمازج بين العقيدة والسياسة وهذا ما نددت به الكنيسة الكاثوليكية على انه intégrisme أفليس إلصاق الكنيسة هنا بموقف سياسي محدد هو عينه الـintégrisme؟ ثم إذا كان ابنك مؤمنًا حقًا فبأي سلطان تقول له إن هذا الخيار هو وحده خيار الطائفة؟ وما يعتقد على انه خيار الطائفة هو بحقيقته اما نابعًا عن وجهائها إذا ما اجتمعوا أو تأمل أوساط إكليريكية غيرمروضة فيتنشئتها على الفكر السياسي وتجيِّر إلى سلطانها الكنسي فكرًا سياسيًّا ليس بالضرورة خير فكر. السياسة علم وتقانة لا قِبلَ لنا بهما.

ينتج عن هذا ان الفكر الوطني يسهم فيه اللبنانيون جميعًا على دروب الفكر. فليس من تتابع زمني بين فكر مسيحي وفكر إسلامي حتى يخرج من هذا التلاقي فكر وطني. ذلك ان ليس من فكر الا بالمواجهة والتحدي منذ البدء. ومن باب أولى ليس من فكر ماروني يُعرض على الكاثوليك ثم يُعرض على بقية المسيحيين لأن الفكر يتبلور بالمشاركة منذ اللحظة الأولى. لذلك كان من سوء السياسة ان نحبل بالشيء أولاً ثم نكشفه بانتظار ردة الفعل. نحن وراء فعل لا ردة فعل. كل هذا الفصل بين كتلتين في البلد تشنجات نحن بغنى عنها.

أنا لا أنفي تكوّن فكر ما في أوساط طائفة. اني أتكلم عن المواقف المعلنة ولا سيما إذا كانت صلبة هي تستدعي التصلب وكأننا نريد ان نسجل موقفًا لا ان نرى حلاً. لا أحد يقبل اتِّباع طائفة أخرى في الحقل الوطني أو تلاوة أمثولة لقنها هذا.

إذا افترضنا تعاونًا بين المسيحيين أقله على صعيد التشاور فهذا يهيئه تعاون مؤسسي ليس فقط بسبب أذى التشرذم ولكن في سبيل إعلاء كلمة الله. لماذا لا يكون لدينا هيئة تنسيقية لأعمال الرحمة أو للذياكونيا كما تسمى اليوم؟ لماذا يكون الآخر ولي نعمتي ولا نكون جميعًا أولياء بعضنا لبعض وفي ذهنية التسول في هذا البلد التحاق بمن كان له منة عليك. ولم لا يكون تنسيق في الاعلام فلا تنتج كل طائفة برنامجها في الإذاعات فتختلف الأذواق حتى التنافر والرفض الشرس؟ كيف تأتي برامج الميلاد أقل ميوعة أو برنامج الآلام غير مشحونة بألمية مريضة؟ أو كيف لا يشاور مركز الإعلام الكاثوليكي إنسانًا أرثوذكسيًّا عندما يذيع خبرًا عن أوضاع الكنيسة في أوروبا الشرقية مثلاً؟ الآخر قائم وأنت قائم به.

أما الحياة المشتركة في الوطن اللبناني في معطياتها الحاضرة فنستلهم فيها أولاً ان الكارثية ليست نفحة إنجيلية. لقد عشنا في هذا الشرق عسرًا شديدًا ونحن إلى عسر ولكن ملاحظتي التاريخية اننا أنتجنا في حياة التقوى من جهة وفي الآداب واللغة والتاريخ ما لم ننتج في عصر الإنتداب والاستقلال وكأننا سكرنا بالحكم والسؤدد فيه وتم هذا والكتلة المسيحية حتى اندمج الوطن اندماجًا شبه صوفي بالألوهة. لا، يا سادة ان هيئة هذا العالم تزول وليس لبنان مسلَّمة الهية ومجد المسيح يسطع فينا مهما ثقلت أحوال الزمان.

أضع هذه الأمور في نصابها وأؤكد بالقوة نفسها اننا سنموت في سبيل حرية هذا البلد وشهادته الحضارية. ذلك انه موطن الإناسة في هذا الشرق، هذا إذا تبنا عن معاصي الإنسان اللبناني وعيوب التركيبة اللبنانية. قد لا يكون البلد في خطر من حيث كيانه المادي بعد أن اعتُبر وطنًا نهائيًا. ولكنه مهدد في نكهته، في لونه، في تمايزه، في تلك الديموقراطية التي هي ليست أجمل نظام عرفته البشرية وحسب ولكنه أعظم من نظام لأنها الاعتراف الكبير بالمغايرة، بالتعددية إذا شئتم أي بشخصية الآخر من حيث هو آخر وبإمكان المشاركة الإنسانية في اختلاف يذهب إلى حد الخلف.

غير أن للديموقراطية إمكانيات تطبيق مختلفة تبعًا للفلسفات التي تسود الشعوب. ففي مجتمع كالذي نحن فيه لم يختبر التمخضات التي آلت بالمجتمعات الغربية إلى العلمنة، في مجتمع يؤمن أن الدين ليس فقط رباطًا فرديًّا يُسكت عنه في الجماعة لنا ديموقراطية ليست بالضرورة قفزة من الفرد إلى المواطنة والمجردة غير ذات مضمون ولكن الديموقراطية ممكنة في احتضان الجماعات الروحية التي تختلف في تطلعاتها وثقافاتها وأذواقها ورؤيتها لمسائل كثيرة.

ألا تقول هذه الجماعات متآلفة بلا مقهورية كلمتها فهذا يعني إزالتها من إغناء الآخرين. اللبناني لا يستحيي بأعماقه الدينية ولا يحجبها ويلاقي الآخر انطلاقًا منها. تاليًا هي تحديدًا تصب في السياسة. ما أود تأكيده هنا ان اشراكنا الأسر الروحية في الشورى الوطنية ليس تخلفًا في النضج السياسي ولكنه طريقنا فيالنضج. ليس ما يثبت أن النموذج الغربي في الحكم الذي لا يتعرف الا إلى أفراد أرقى نموذج عيش. اعتقادي انه يجب ان نتمسك باعتزاز بالمعايشة الطوائفية والتعبير السياسي عنها. الآفة ليست في النظام ولكنها في التعصب واستغلال الطوائف. الفساد في التربية.

المشكلة حاليًا ان إلغاء الطائفية السياسية أقره الدستور في المادة الـ9 الجديدة. ولكن الدستور ليس مُنزَّلاً. حرية التحرك يمكن أن تكون ضد النص الدستوري نفسه أو تتعلق بزمن ترجمته إلى قانون وضعي أو ترتبط بمراحل تطبيقه. انها لخطوط دفاعية مختلفة.

هنا الحكمة تقضي – وفق الطروحات التي بينتها – ان يكون الجهاد جهادًا وطنيًّا لا مسيحيًّا وأن يسبقه تشاور واسع لا يعلن عنه ابتغاء خطة عمل تهدف إلى استبعاد القانون أو أقله إلى قضمه أو توزيعه إلى مراحل. والمهم اتقان الخطاب السياسي فيه بحيث لا يأتي الرفض نتيجة خوف من الوضع الديموغرافي.

وإذا رأى مجلسكم الكريم أن يدلي بدلوه في هذا الشان فالتكتية تقضي بأن يأتي الكلام لينًا أشبه بالنداء وعرض التشاور لئلا ينفصل عنكم من كان معكم من المواطنين.

هذا وكان الله معكم.

Continue reading
1992, محاضرات

مساهمة المراجع الدينية بالحل / المؤتمر الوطني العام للمهجرين/ المحور الخامس – الجلسة الأولى، الأربعاء ٢٤ حزيران ١٩٩٢

ما من ترتيب عقلي أو توزيع حصص أو توازن مجتمعي قادرة ان تقيمنا في عيش مشترك بل الغفران الوصول وتفجرات المحبة وهي فائقةُ لبنان وهو اليها ان أدرك كنهه من وراء الحساب ونظمه ذلك ان شرائع البشر تفترض الشر وتقمعه بأسلوب الإكراه وهذا لا بد منه ولكنه سطح الأشياء. أما عمقها ففي مغفرة الذنوب وإرادة الإبداع في معية هي كل وجودِنا لكونها نسيان الماضي وتوقنا الواحد إلى البهاء الإنساني العظيم. ذلك ان لبنان الذي سمي كبيرًا ما كان كذلك بجمع الأقضية إلى الجبل أو الجبل إلى الأقضية ولكنه في كبر النفوس وجمال أشواقها. فالشوق إلى الأرض ومن كان عليها والأرض لله وارثها وإليه نعود من مودات لأهلها ومن بعد مواعدنا مع الخير وعقود نعقدها فيما بيننا ولا نحللها. ذلك ان الحب شغفنا فمصير كل منا بمصير الآخر لأن وجهنا إلى كل وجه يهيش على التراب اللبناني الواحد وتاريخنا الجديد أسطع مما يمضى. ولا تحبسناذاركة الكوارث ولكن يحيينا عزمنا لبناء الآتي والآتي مطلات من الله علينا وجودٌ منه وكرم من أخلاق ذويه حتى نقدر أن نقول مع الشاعر عن كل مواطن:

هل أنت مبلغُه عني بأن له                         ودا تمكن في قلبي يجاوره

وانني من صفت منه سرائره                         وصحّ باطنه، منه، وظاهره

وهل لنا أن نغني مع الشاعر نفسه فيما نتوجه إلى الآخر:

ولست واجدَ شيء أنت عادمُه               ولست غائبَ شيء أنت حاضره

هذا نمارسه في كل بقعة صغيرة وفي كل قرية ومحلة مدركين أن تلاقي النفوس عندنا يقوم على حكمة موصولة أو تلاوة قرآن أو محبة عيسوية. هذه أصيلة حتى قيام الساعة وكل جماعة على فرادتها وعلى تراثها والحلاوة في مقابلة تراثات وما هي على إلغائها أو إبادةِ قومها. فما شاء الله أن تلغي أحدًا بل أن تصغي اليها لتتقبل منه لطفه وأن تضع رأسك على صدره لتسمع اذناك نبضات قلبه فيحس ان طيب مشاعرك أبقى من تأففك وانك ملتفت إلى مطلب له عادل.

ذلك ان ما تبتغيه روافد لقاء هو أبقى من كل نمط عازل أو معزول فلا بد من اختلاف الأنماط شرطًا لتأكيد الشخصية فاختلف ما شئت ان قبلت انصبابك في بحر الحب أو على شواطئ العدالة والحب منقذك من جفاف العدل ان جفا والمحبة جمال العدل وارتقاؤه. وقد تربينا على التاريخ وقهره أكثر مما ينبغي فآن لنا ان نتربى على القيامة نؤتاها معًا من بعد ان صلبنا أحدنا الآخر. فالملكوت آتٍ في ضياء نلتمسه اليوم لنا جميعًا إذا أردنا وطنًا لا موت فيه جماعيًّا.

والخطيئات تغفر للقادرين على التوبة والتوبة هي وحدها البطولة. ولا نستطيع أن نجترّ معاصي الآخرين إلى الأبد ولكل منا أن يذكر إثمه وآثام من كان إليهم وبذا يجعل نفسه مصبًا للرحمة وينبوعًا لها متجددًا. فليمتحن كل منا نفسه ليستغفر فينال من الآخرين حنانا. فالتاريخ الذي نخطه اليوم وغدا تاريخ رقة لئلا نخوض من جديد حروبًا ليست لنا. لقد آن لنا الا نستلم من الآخرين سلامًا يُملى علينا بل ان نقيمه في نفوسنا وثقافتنا والنظم.

قد يمهّد لهذا أمن دولة ارتضيناها لجميعنا أداة عدلٍ وردعٍ بسبب من رعايتنا الوجلين ولعل كلا منا يخاف بقدر ويخيف بقدر ولكن القلب الهادئ. هو ا لذي يبسط ا لهدأة. إذ ذاك تطمئن القلوب كلها وتتروض على ثقة تستعاد ولا تقف الضحايا بيننا. انها جامعة بسبب من رحمة تقيم فيها وبسبب من فهم بتنا فيه حتى لا تُهدر الأجيال الصاعدة كما هدرت السالفة. والناشئون الذين لم يروا الموت لهم علينا حق العيش في الكرامة والإلفة في عقول تستنير وقلوب صافحة ولا يسوغ أن نقول للراجين فجرًا جديدًا إن الليل إذا سجا لا تخترقه الأنوار.

فالتقابس ممكن لأن النور في هذا وذاك. والزوايا نقبع فيها لأمر هين. أما من تربع في زاويته فأنى له أن يذوق رائحة الطيب إذا فاحت من مسالك الآخرين وتطلعاتهم. أنا لا أعرف فترة من الزمان عاش فيها المسلمون وحدهم أو المسيحيون وحدهم ولا أعرف بقعة اعتزل فيها قوم دون قوم فالمبصرون عرفوا أن الثقة توليها فتولاها وأن الكبير يصطبر إذا لم يأتِ الفهم توًّا. البلد صغير مرتعه الفهم والفهم في بلوريته أن تقبل الوجود بمحبة هي أقوى من الموت. ومقتضاها الأساسي الحرية وهي تعني في ما تعنيه عندنا الإعتراف بالخصائص الروحية لهذه الطائفة وتلك وقد يستتبع ذلك ميزات ثقافية وتلك التقاليد المحصِنة لهذه الميزات بما فيالتعليم الحرّ والأحوال الشخصيّة وان كان علينا أن نسير مسيرة الوحدة الوطنية لنتشابه ما أمكن التشابه وترتضي الوطن اللبناني كلاًّ ذا دور تنسيقي لهذا التنوع والقيمةُ المطلقة التي ندين بها هي هذه المعية اللبنانية الممثلة بالدولة الحديثة العادلة التي لا تخضع للبعثرة وتحاول ان تخرجنا من الجزيء إلى مجتمع متراص ديموقراطي حرّ مرن في عصر تداعي الايديولوجيات. ويذاق هذا كلّه في ثقافة مشرقية مسكوبة بلسان عربي تخدم شعبها ودنيا العرب وتطل على العالم المتحضر بلا زيف ولا تزلف في مسعى سلام في المنطقة والعالم.

هذه رؤية تحتاج إلى تفعيل أي إلى منهاج تربوي نتدرج فيه من الممكن إلى أبعد الآفاق في انسنة المرء عندنا والعلاقات، في تأصيل تاريخي لا أحادية فيه ولا عنجهية قبائل. نحن تاليًّا إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس القائم على ان من ابتغى هذه الرؤية تعترف له بقدرته ان يساكنك.

هذه الرؤية تمكننا من التوطن المشترك هدفًا نغذي فيه يومياتنا في مؤانسة تدعمها خصال مشرقية طيبة فنسهر على تجانس كل منطقة وكل المناطق. فلنا نحن اللبنانيين روح انصهارنا الوطني يقوم على ثوابت من التراث وعلى المتحولات التي تقتضيها الحداثة ومعايشة اخواننا العرب ولا سيما السوريين منهم بما لهم ولنا من عزة واستقلال. والتجانس المتنامي في الوطن اللبناني يبدأ بانكبابنا على المشاركة في الهموم اليومية. وان كان الإنسان لا يحيا بالخبز وحده الا ان جِدنا في إدارة الحكم وإيجاد الهاتف والطريق والكهرباء والمدرسة والدواء هو محك أهليتنا للحياة. والسياسة تبدأ من هنا.

لعل هذه الأمور البسيطة هي التي ينبغي أن نعالج أولاً ليسكن أحدنا إلى الآخر. أن نريد ذلك للبنان كله هو أن نريده للمهجرين إذا عادوا إذ ان زوال مشكلتهم هي قبل كل شيء في إعادة الإنسان اللبناني إلى إنسانيته. وعودة المهجرين امتحان صدقنا في مقاربة الموضوع اللبناني كلا. وحدة المهجرين في عودتهم ومن أقام عربون الوحدة اللبنانية كلها. وإذا تربع المهجر في أرضه موفور الكرامة، عاملاً فيها بلا خوف فهذا رجاء لكل مواطن لأن الحرية غير قابلة للتقسيم وغير قابلة للتفريط وأهلنا ولدتهم أمهاتهم أحرارًا ويصعد في الحرية من يصعد.

الروح أبقى من النظم لأن النظام مجرد إطار عقلي فيه الكثير من الاصطلاح وتنهار الأطر عند أول صدمة. أما ما حرّك أعماق النفس البشرية فأبقى لأنه مواصلة ما أُنزل على القلب من عند الرب. أفلا نستطيع بطريقة أو أخرى أن نعبّر عن هذه القناعات الروحية بما هو أمتن من المواثيق السياسية بما يشبه ميثاقًا روحيًّا بحيث تتعهد العائلات الروحية كلها إلهام الحياة المشتركة وتنشيء التربية التي تمكننا من هذا الاتجاه. لقد تعهدت الجماعات الروحية أخلاقنا ما في ذلك ريب لكن الوطن من حيث هو مشاركة ومصير كان متروكًا للفكر السياسي. لعل الوقت حان لجعله هدفًا في تربية روحية واحدة. وهذا ليس فقط في المدرسة ولكن في تنشئة مناقبية للناس كلهم بحيث يُمقت العنف في حدود الوطن وينشأ الطالب على معرفة الأديان بموضوعيتها وعلى تذوق الجمالات فيها وعلى هذه القاعدة الشفافة في بساطتها: أحبب الإنسان الآخر كما تحب نفسك. نحن بلد غاية في التعقيد والتركيب ولا تنعشه فقط تربية مدنية. لقد احسن الله علينا بأن جعلنا مؤمنين وتجمعنا بالرغم مما حلّ بنا قيم متأصلة بالله. نحن لا نريد أن نصبح بلدًا جافًا متباعدة فيه الناس ومجتمعة فقط في الدولة والانتساب المدني. هذا ليس من الباقيات الصالحات. كل شيء قلب. هذا لبنان. وقلب القلب هو الله وهو يجمع الأضداد إلى واحدة وفي هذا نتكافل ونتحاب وإلى هذا نرجو.

Continue reading
1998, جريدة النهار, مقالات

قضية المناولة المشتركة / جريدة النهار، السبت في 5 أيار 1998

قبل البحث في المناولة المشتركة بين المسيحيين وإمكانها أو تعذرها لا بد لي أن أذكر أن ما بين الأرثوذكسية والكثلكة اللاتينية ومن اتبع طريقتها في هذا المجال ان المؤمن عندها لا يتناول تقليديًا من الكأس المقدسة ثم بعد مجمع الفاتيكان الثاني أخذ بعض الرعايا يستعمل الكأس. وهذا في نظرنا تقدم لأنه اتباع لما قاله السيد: “اشربوا منه كلكم”. منهجنا نحن أننا لا نجتهد في معرض النص وأننا نمارس ما اتبعه الأقدمون. من ناحية أخرى لا يبدو أننا نعترض حاليًا على استعمال اللاتين الخبز الفطير وقد اعتادوه. لكن الأبحاث العصرية القائمة بخاصة على دراسة إنجيل يوحنا تؤكد أن التلاميذ في العشاء السري لم يتناولوا خبزًا فطيرًا ولا يسعنا أن نبقى في منأى عن التراث الذي اتبعه الغرب والشرق في الألفية الأولى. تناسي كل هذه الأمور تبسيطيًا على أساس “ما عليش” ليس من الخطاب اللاهوتي.

أما على صعيد المشاركة فبدءًا مما يسمى الضيافة القربانية في الغرب اليوم أخذ الكاثوليك يوزعون جسد الرب على الإنجيليين أنفسهم في المناسبات. وليس من كنيسة إنجيلية واحدة تقول بالاستحالة أي بتحول القرابين جسد الرب ودمه تحولًا. كيف تقبل في الشركة الأسرارية مسيحيًا آخر لا يقول قولك بالاستحالة؟ كيف أتناول جسد الرب مع كاثوليكي يتناول مع البروتستنتي؟

أما القول المبدئي بالمشاركة فالمؤمن الكاثوليكي مرتبط بوثيقة إلزامية هي “الدليل لتطبيق المبادئ والقواعد المسكونية” الذي أصدره الفاتيكان السنة الـ1993. استند إلى النص الفرنسي. في المادة 122 يطلب هذا الدليل احترام الانضباط السائد في الكنائس الشرقية. المادة 123 تبيح للكاثوليكي تناول سر الشكر ومسحة المرضى من يد كاهن أرثوذكسي ان استحال على هذا المؤمن الكاثوليكي ماديًا أو معنويًا الاتصال بكاهن كاثوليكي. أما المادة 124 فتوضح صراحة ان على الكاثوليكي الراغب شرعيًا في التناول عند المسيحيين الشرقيين أن يتقيد ما أمكن بالانضباط الشرقي وأن يمتنع عن المشاركة إذا كانت هذه الكنيسة الشرقية تحصر مناولة الأسرار بمؤمنيها. ليس صحيحًا إذًا ان الكنيسة الكاثوليكية فتحت باب المشاركة على مصراعيه للأرثوذكس عندها أو أباحت بالإطلاق لأعضائها التناول عند الأرثوذكس. المنع المبدئي هو من الطرفين. أضف إلى هذا ان الكنيسة الأرثوذكسية في نطاق الأسرار تفرق بين الدقة (اكريفيا باليونانية) والتدبير (ايكونوميا). هناك ما يجوز السماح به لمنفعة المؤمنين وهناك ما لا يجوز. التدبير الرعائي يسمح مثلًا بإقامة جنازة أرثوذكسية لمسيحي غير أرثوذكسي إن لم يكن عنده كنيسة أو كاهن أو يتسامح بالمناولة لأرثوذكسي غير صائم. لكن سرّ جسد الرب ودمه لا يهتك بالتوسع. ذلك موقف لنا عقائدي.

أضف أيضًا إلى هذا ان الكنيستين منفصلتان أحداهما عن الأخرى بقرار صريح من مجمع الفاتيكان الأول الذي ألقى الحرم على من لا يقبل ولاية البابا على مسيحيي العالم وعصمته. فمن الطبيعي ان الذي أحرجك فأخرجك يخرج نفسه من الوحدة معك. أجل الأرثوذكسيون غير مسمين في مجمع الفاتيكان الأول ولكن يبدو لي في مقاربة أولى لنص المجمع أنهم واقعون تحت حرمه لكونهم رفضوا تعليمه. السؤال البسيط هو هذا: كيف أنا الأرثوذكسي أشاركك في الأسرار وأنت تعتبرني مقطوعًا عن شركة الكنيسة؟

* *  *

رب معترض يقول ان الحرمات التي ألقتها كنيسة رومية على كنيسة القسطنطينية عند الانشقاق الكبير قد رُفعت. هذا رفع بين كرسيين مستقلين وأنا الأنطاكي لست معنيًا بهذه الحرمات كما أني لست معنيًا برفعها. ومهما يكن من أمرها فأنا محروم بقرار 1870 ما لم توضح رومية عكس ذلك. لا يكفيني أن تقول لي أني في “شركة شبه كاملة معها”. هذا “الشبه” قد يكون إشارة إلى حرم المجمع الفاتيكاني الأول.

تاليًا تشديد الأرثوذكسيين على رفض الكاثوليكي من شركة الأسرار ليس ناتجًا من عناد أو تعصب. إعادة الشركة الكنسية بيننا في يد بابا رومية. الطابة في ملعبه. ان رصانة الكنيسة الأرثوذكسية في هذا الأمر تأتي من اعتبارها الفرد الكاثوليكي عضوًا في كنيسته وتأبى فصله عنها. التقارب يتم بين جماعتين للمسيح وليس بيني وبين صديقي أو نسيبي الكاثوليكي. إن واجب المرجعيات الكاثوليكية أن تقول بصراحة وحزم لأبنائها: انضباطنا في شأن المناولة وانضباط الأرثوذكس واحد.

عندنا انه لا يليق بنا على درب الوحدة أن نظهر الكثلكة منفتحة في هذا النطاق والأرثوذكسية متعصبة. ان يتأفف بعض الأرثوذكسيين من تمسك مرجعياتهم بالقوانين ناتج من الاسترخاء الكاثوليكي. هل هذه حركة مسكونية ان يعرض هذا الاسترخاء الوحدة الأرثوذكسية لتصدع ولإنشاء هوة بين الإكليروس وبعض العوام عندنا.

المؤسف أننا لسنا على إيقاع واحد في الشدة واللين. رجاؤنا أن تكون المرجعيات الكنسية المختلفة معًا وواحدة في الوضوح ودقيقة في التعامل مع النصوص. المضحك المبكي أن يكون الرعاة الأرثوذكسيون حريصين على رد المؤمن الكاثوليكي إلى وثائق كنيسته.

* *  *

السؤال الذي يطرح نفسه هنا – إذا فرضنا أن الأرثوذكسيين استرخوا – هو هل يقربنا هذا الاختلاط في الأسرار من الوحدة؟ المشاعر الطبيعية فيما لو حصل هذا هو أننا بتنا واحدًا ما دمنا نتشارك. إذًا نغذي آمالًا كاذبة. من يهمه، إذ ذاك، السعي إلى الوحدة الحقيقية التي تعني أن الكنيستين اتحدتا في الإيمان ودخلتا في المصالحة الحق ولم تبق أحداهما تحت السؤال. ان ما يحول دون مجالستنا حول مائدة الرب ان ما كان عقيدة عندك ليس عقيدة عندي وان كلا منا مقصي عن الآخر. ان الإشارة الوحيدة إلى الانشقاق أو البدعة ان ما تعتبره منشقًا أو مبتدعًا تستبعده عن شركة المقدسات. هذا دائمًا ما مارسته الكنائس في ما بينها.

فضلًا عن هذا أنا لا أعرف قرارًا أرثوذكسيًا محليًا أو إقليميًا أو مسكونيًا حتى بعد المجمع الفاتيكاني الأول يلقي حرمًا على الكاثوليك. الأرثوذكسي هو المنفي. هو لم يهجر إخوته الغربيين عند الانشقاق الكبير. قطعوه فرأى نفسه في صحراء. لا أحد يستلذ الصحراء. ولو فرضنا ضد كل الواقع التاريخي أننا غادرنا الإخوة الغربيين فما بيننا هو ما عبر عنه المتنبي بقوله: “إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا              أن لا تفارقهم فالراحلون همُ”.

مشكلتي مع المسيحيين الأفراد غير العاقلين للأمر اللاهوتي حسبانهم ان الوحدة تأتي من ضغط القاعدة ولا يأبهون للفروق. ولكن إذا تجالس الأساقفة والعلماء فالفروق تعترضهم. هذه لا تحل بمجرد العواطف الحلوة اللطيفة. أصحاب هذه العواطف على اختلاف مللهم ونحلهم يفهمون أن ليس أحد يعيش في عزلة عن كنيسته ولا ينبغي له أن يفعل ذلك. أنا لا أريد أن أضعف أواصر الكاثوليكي مع كنيسته لأني لو فعلت لكنت ممارسًا الاقتناص. وتاريخي كلّه كان ضد اقتناص الأخ لكوني حريصًا على وحدة الكنيسة الغربية كلًا متراصًا. من هذا القبيل أنا لا أرعى أخًا كاثوليكيًا، ترعاه كنيسته. أنا مبتغاي ودعائي وبكائي أن أصير واحدًا مع كنيسة رومية في كليتها. الأفراد لا يستطيعون أن يستبقوا خيرات الوحدة الحقيقة.

أنا أفهم العشائرية اللبنانية وان كلًا منا له حبايب هنا وهناك. كيف يحضر قداسًا جنائزيًا مثلًا لنسيب ويمنع من المناولة الإلهية؟ كيف نرد راهبة كاثوليكية عن جسد الرب في قداس جنائزي لأبيها أو أخيها الأرثوذكسي؟ قولنا الشرس والصادم لها: تهتكين وحدة العائلة في ذهابك عنها إلى الكثلكة وتسترجعين وحدتك بها في ظرف حزن.

من منا لا يشعر بهذا الألم. ولكن أليس الانشقاق أكثر إيلامًا؟ نداوي جروحًا ظرفية أو نظن أننا نداويها ولا نعالج المرض نفسه. نتصدى للنتائج ولا نتصدى للأسباب؟ إن موقفنا الصلب، وأرفض أن يسمى المتصلب، ناتج من كون جسد المسيح هو كل حياتنا ونعرف العروة الوثقى التي تربطه باستقامة الرأي. نحن لا نعتبر استضافة الآخرين إلى المائدة المقدّسة وسيلة من وسائل التقارب. التقارب يبدأ بالمحبة الكاملة للآخر والمحبة تنشئ الفهم الواحد لإلهية الكنيسة. نكون إذ ذاك أنفسنا واحدًا. هذا الانصهار في النعمة يقودنا إلى ارتشاف الكأس التي لا ننتظر بعدها شيئًا.

Continue reading
1997, مقالات, نشرة رعيتي

السلوك الفصحيّ / كلمة الراعي «رعيتي»، الأحد 4 أيار 1997، العدد 18

يوم الفصح ظـهر السيد للتلاميذ مجتمعين “وقال لهم: السلام لكم. ولما قال هـذا أراهم يديه وجنبه فـفرح التلاميذ حين أبـصروا الرب”. وكان توما غائـبًا فلم يؤمن. ولكن في الأحـد اللاحـق للـقـيامة ظـهـر السيد لهم ثانية وتوما معهم. وتكـرر المـشهد نفسه عند دخول الرب: السلام لكم، والرب مشـرق بالـنور الفـصحي وآثار آلامه عليه.

كل منا آلامه فيـه بادية أو غير بادية، جسـديّة أو نفسيّة. انه ليس وحده. يكـلّمه يسـوع، ولمـجرد انعطافه عليه يعطيه سـلامًا، يقيمه في السلام. ولكن هـذا الإنسان المتـوجع يـستضيء بنور للمـسيح غـير منظور، بتعزية. يحسّ بقربى يـسوع، ويصبح بدوره مضيئًا. الألم والفـرح يترافقان ويتعايشان في إنسان واحد.

المتألم مصلوب وقـائم معًا. ما جرى في الرب يرتسـم في نفوسـنا، في مـشاعرنا.ليس الموجع كغير الموجع، كيف يمكـنك ان تخفف من وجع الحصى في الكلى. هذا ليـس من الخيال. وفـي كثرة من الأحوال لا شفاء لك. مع هذا يمكنك أن ترمي نفسك على حضن يسوع إذ يبقى المعزّي إن لـم تحدث الأعجوبـة. وقد تكـون ملمًّا بحالتك وتعرف غالبًا ان المرض الذي اعتراك هو إلى موت. لا يبقى لك، إذ ذاك، الا مهمة واحدة، ان تسـتفيد حتى الأقصى من كل إمكـاناتك وان تقول للرب: هـذا ما يبقى من هذا الجسد. ليس عندي الا هذه الطاقات. تعال إليّ وأنا في حاجة اليك، وسـد الثغرات بنـعمتك، وكن أنت الـضـيـف العظيم في هذا الجسد المكسور وهذه النفس الحزينة.

يدخل عليك المسيح والأبواب مغلقة. نفسك حزينة وأَقفلت كل شيء حولها وتريد أن تنطوي في حزنها. إذا قرع يسوع باب نفسك افتح له، إذ ذاك يدخل ويتعشى معك ويُجلسك على مائدة حبه. يسوع قادر أن يقيم عرسًا مع نفسك التي ظنت انها متروكة.

من رآك متعزيًّا يعرف سرك. يفهم أن المسيح افتقدك وأعطاك سلامه وانه الآن قاعد عندك. ربما قضيتَ أسبوع الآلام والعيد على فراشك وكنتَ شاعرًا بحضور المسيح إلى جانبك. فصحك يكون قد كان كاملًا.

هناك ما كان أشد من المرض محنةً عنيتُ به الخطيئة التي تعاودك المرة تلو المرة. وهذه ليست الأفتك. أفتك منها الخطيئة المحبَّبة إلى نفسك والتي تقيم فيها. أمام هاتين تدخل في تهجئة الفصح إذا بدأ وعيك للخلل الذي أنت فيه. وتكون مشيتَ خطًى إذا قلت في نفسك: “اني أقوم وأعود لأبي”. لسنا بعد في فصح العمق.

أما إذا كفرتَ بنفسك وخطّأتها رجعتَ إلى حنو الآب وارتميتَ في حضنه حقا فيكون وجودك الداخلي قد عيَّد الفصح.

الذي خرج من القبر ظافرًا يترجم ظفره فيك حلاوةً في نفسك أو طراوة. فصحك، عند ذاك، يكون ممدودًا طوال العمر.

Continue reading

Popular posts

رجاء الوحدة المسيحية/ الأحد 26 كانون الثاني 2003/ العدد4

انتهى في الـ 25 من هذا الشهر اسبوع الصلاة من اجل الوحدة المسيحية. وقد قامت، هنا وهناك، خدم مختلفة على رجاء هذه الوحدة. ولعل بعضا تعبوا من الحواجز القائمة...

المسيحية والمسيحيون / السبت 11 آذار 2006

قضيت سهرة ممتعة مع أربعة او خمسة أصدقاء أحدهم يلامس الايمان وكان تحديه عظيما وجدّيا للفريق المؤمن اذ قال: أين المسيحيون من المسيحية. وهذا معروف منذ جحود بطرس وخيانة...