يا أصحاب الغبطة والسيادة،
الشهادة مقولة في العهد الجديد بارزة حيث المسيح هو الشاهد الأمين لكونه أبدل الخطاب الإلهي بالكلمات بخطاب الكلمة الواحد الحاضر شخصًا. فإذا كنت أنت فى الحضرة وغدوت أيقونة لها تقول هذاه الحضرة. لقد بينت في موضع آخر بإسهاب ان الشهادة والقداسة واحد. من هنا ان الكنيسة مجتمعةً جسدًا للمسيح هي أيضًا شاهدة وفق قوله المبارك: «بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي ان كان لكم حب بعضكم لبعض». فالشهادة مرتبطة بالوجوه المحققة كما انها مرتبطة بالكنيسة ملكوتية الوجدان، أخروية. من هذه الزاوية أن نشهد معًا هو أن نشهد منقسمين وفي هذا تناقض في التعبير. يتعذر أن نشهد معًا والمعية في تاريخ الناس، في جسد الناس زالت.
ولكن المعية تبدأ بأن تكون قصد المعية ومحاولة تصميمها وإقامة معالم لقاء بيننا. هي في ذلك الصبر على الزمان الرديء الذي قد يزيده جيلنا إفسادًا بعد أن ورثناه بحيث نقلّب الميراث الواحد الذي نريد استعادته على خصائص كل جماعة في محدوديتها. أن نحب ما كنا عليه من مجد في وحدانية الإيمان على ما نحن عليه من شقاء اليوم وأن نؤكد بعض صور من معيتنا في الإخلاص بلا خوف على ذاتية الطائفة هو ما نستطيع القيام به على هذه الأرض الطيبة ونحن على صعيد أنطاكية وحدها لن ننجز الوحدة العالمية وهذه لها منبرها أو منابر ولكن قد نوحي بأن الأخوّة ممكنة ليس بلاغيًّا ولكن في المعايشة الرعائية.
هذا ليس كل شيء إذ لا يسوغ أن نستهين بالفروق اللاهوتية ولكن إذا خرج المؤمنون إلى القيامة يسعون إلى الأقصى لئلا يمزقون ثوب المسيح غير المخيط. الصعوبة تكمن في هذا انك تريد في الانقسام ان تقف إلى جانب الأخ الآخر وكل التراث القانوني يمنعك ان تشاركه الصلاة. ماذا يعني تاليًا انك اليوم تصلي معه؟ هل هو مجرد تعبير عن ملل الانفصال وتعبه أم هذا تعبير عن وحدة ما. الآخر يريد تجاوز ما قد يكون ألصق به من بدعة أو احتسب كذلك. هذه الإرادة ثمرة نعمة أي نحن في الإصرار على الوحدة ولا نعرف بعد صورتها أو كل مضمونها العقدي. فما بتنا في مقاصد الوحدة لنا أن نقوم بهذا التدبير الكنسي أو ذاك ا لذي يُقلّ من جراحنا ويدنينا من الشهادة بقدر لأنه يكون قد أقامنا في الحب ان لم يقمنا في الفهم الكامل.
سأحاول أن أتناول في هذه العجالة المواجهات التالية:
- المعية في الأرض الأنطاكية
أنطاكية أمنا جميعًا لها وجهها في التفسير والليتورجيا والنسك ولها آباؤها الميزون بأي لغة كتبوا وكانت في العهد الرسولي حسّ المسيحية بالأمم وانطلاقتها اليهم وفي زعمي انه إذا التمع من كانت السريانية لغتهم بخاصة في الشعر والتغني بالجمال الإلهي فقد برز أهل اللسان اليوناني بالفكر اللاهوتي الذي غدا ينبوع الإنشاد وان التفريق بين أهل اللغتين كان تفريقًا مصنوعًا. لم تكن الروحانية مختلفة هنا وثمة وما كانت الرهبانية مثناة. وإذا رأينا إلى الجذور فالليتورجية البيزنطية فرضت على من سُموا الملكانية بسبب من التهجير القسري في بدء الفتح العربي وإبان الفتح الفرنجي. من هنا لكم أن تفهموا أيها السادة الأجلة عمق الجرح الذي وُسم به الجسم الأرثوذكسي وما يحسه هذا الجسم بكل ما يتصل بالحضور الغربي في هذه البلاد. فالتحدي القائم موضوعيًّا في البيولوجية الأرثوذكسيّة إذا صحت التسمية هو أن وحدة عضوية كانت قائمة هنا مزقها الحلول الغربي. والتعبير الكنيساني عن هذا هو انك لا تستطيع ان تترك اخوتك في الكنيسة المحلية لتلتحم بآخرين ولو بدا لك ذلك مصالحة مع ما اعتُبر كنيسة عالمية. أنطا كية كلها تصالح أو تنتظر. أنطاكية في وحدتها مع الشرق كله تصالح أو تنتظر. ذلك كان الألم ومع ذلك لا بد لإخوة تشرذموا على أرضنا أن يرثوا من النعمة صيغة تفاهم على رجاء وحدة الدنيا المسيحية بكاملها.
لا بد من رؤية نابعة من الذاكرة التاريخية الواحدة السابقة لحركات الاتحاد بالكنيسة الغربية. التنسيق الرعائي هو المبتغى. يمكن بناؤه على مقولة الكنائس الشقيقة إذا أحببتم أن نستعير من البابا بولس السادس هذه المقولة على لبسها. ما هو أضعف الإيمان أننا على شقائنا التاريخي حظائر ولاها المسيح رعاية أغنامها حتى يضمد هو نفسه الجراح. وأنا زعيم بأن للسيد نفسه تدابير في تأزمات الإنشقاق على أن تقوم معًا وكل حيثما الله وضعه بحركة تجدد عميقة الجذور في الإنجيل حتى نحيي معًا هذا التراث الأنطاكي العظيم بلا.وجل إحياء نقديًّا بحيث يسقط ما كان غريبًا أو ابتداعًا أو مغايرًا أو هامشيًّا أو هزيلاً فنقيم في مقامات النسك والعبادة والفكر المتفجر عنهما غير مجترين اجترارًا كلام اخوة لنا كبار أكان هذا في شرقي أوروبا أو غربها. عطشنا هو إلى أنطاكية متجددة تثب من نفسها وتتطلع إلى ا للانهايات غير مقهورة، غير متشنجة، تختبر كل شيء وتتمسك بالأفضل وذلك في التجرب العلمي الكامل.
تكلمت عن حظائر ليسوع لأوحي بأن هذه المقولة أو ما شابهها هي شرط التعاون الصادق. معنى ذلك ان للمسيحيين في الشرق رعاة ولاهم الرب رعاية الأغنام الناطقة وان راعيًّا ليس بديلاً عن آخر. تاليًّا ليس من مسوغ ليقيم الأسقف علاقة رعاية لمن لم يوَّلَ عليهم. هذه النظرة تنفي اعتبار الأخ الآخر خروفًا ضل في الجبال نراوده عن نفسه أو نجتلبه إلى ما اعتبر حظيرة الحق. هذه مصالحات جماعية تهيئها النفوس المتحابة ويعد لها اللاهوتيون على رجاء يوم الرضا.
على ضوء هذا يتعين سلوكنا في مسألة المشاركة في القدسات. والفكر المسيحي الجامع يراها تعبيرًا عن استقامة الرأي متماهية مع الشركة الكنسية ومنشئة للكنيسة جسدًا للمسيح ولا يراها وسيلة لتقارب الأفراد السكارى بغنائية الوحدة فما من فصام ممكن بين سر الشكر والعقيدة المستقيمة الرأي. هذا هو التراث الموصول. ان ما اشتهاه المجمع الفاتيكاني الثاني في هذا المجال من انفتاح على الكنيسة الأرثوذكسية أو ما حسبه كذلك بلا تشاور معها انما تحسه تهديدًا لذاتية الكنائس ومن حيث انه تمييع للمسألة العقدية وتخالط عاطفي. وفي حسباني ان تلك هي العقبة الكأداء في تنسيقنا الرعائي.
على ضوء استعادة الرؤية الأنطاكية يُفهم التعليم المسيحي المشترك فإن التعليم متموضع بسبب وحدة الشهادة وبسبب ما نشتهيه لما بيننا من تناضح. والمشترك لا يزيل الخاص على أن يكون الخاص سلاميًّا، مسكوني الروح فللمشترك مطرح وللخاص مطرح وهذا يمكن تدارسه. ولكن ان جد جدنا في أنطاكية التعليم فلا بد له من مضمون أو معالم نتوافق عليها. ففي سوريا ومصر تعليم مسيحي موحد يتطلبه ا لوضع التربوي عندهم. لماذا لا نضع نحن شيئًا كهذا مختارين جوهر الإيمان على مافيه من حيوية ودسم؟
وفي الخط نفسه نجعل مدارسنا أماكن للتلاقي الحق. نقررها مسكونية في كل أبعادها حاملةً هموم الكنائس كلها فنميز مثلاً بين العبادات الأسرارية التي ليست للجميع وعبادات غير أسرارية بيبلية المضمون، أنطاكية النَفَس في الكلمة والدعاء حتى لأمكنني الحلم بانتهاج فن ليتورجي واحد في الرسم هو الأيقونة وليس هذا إرضاء لأحد ولكن استرجاعًا لما كنا عليه جميعًا.
وفي الخط نفسه أيضًا نفحص ما سماه الغرب المناولة الأولى وكانت في كل كنائس الشرق موطَّنة في المعمودية وإمارة من إمارات الانتماء الرعوي لا طابع مدرسيًّا لها.
ولن أطيل عليكم الكلام في مسألة الزيجات المختلطة التي لم تدل الخبرة على أنها صارت مطارح التقارب فيما بيننا وفي اعتقادي اننا ان لم نواجه هذه المسألة مواجهة لاهوتية قبل الخوض بالرعائيات نكون سجناء القانون المحض كنسيًّا كان أم مدنيًّا. نستكتب الفتاة كتابًا لعريسها مهينًا ويسجل الأولاد على مذهب الوالد تسجيلاً آليًا دون أن نتعرض إلى رعاية العائلة رعاية مسكونية خائفين من استلاب هنا ومن طلاق هناك. هذا الذي تأتي الأحكام الصادرة فيه أقل بكثير مما يتصور بعض. ديمومة الزواج هو التعليم الأرثوذكسي الوحيد وما عدا ذلك فتدبير كنسي مبغَض عرفته الكنيسة القديمة وعرفه الموارنة حتى السنة ١٥٢٠. الطعن في الطلاق هو المنهج الأرثوذكسي السائد اليوم. الكنائس كلها تقيم الزواج الثاني بعد انحلال الأول أسُمي هذا طلاقًا أو فسخًا من باب التعريف بالشيء أم سمي إبطالاً.
ما قيل ليس سوى بعض من مسائل كل منها نتؤ بيننا وإزالته ممكنة في روحية حوار الحبة التي لا تقال قولاً ولكن تُفعل فعلاً وفي إيماني ان الحقيقة اسم من أسماء المحبة إذا استطاع البشر إدراكها في ذروتها وقد رأينا منذ سنوات أن تقام لجنة مشتركة تقوم بمسح المشاكل وعرضها على المراجع المسؤولة في الكنائس فلا نزايد في المسكونية بل نخطو معًا إلى سلام الكنائس في نزاهة كلية ويبقى البحث اللاهوتي على الصعيد العالمي كما هو قائم وفيما نرجو تعميقه بعد أن تكون انقشعت السحب ا لسوداء التي تعلو رؤوسنا هنا وثمة.
هذا ما كان في مجال أنطاكية والأرثوذكسيون ليس لهم مجال آخر إذ ليس عندهم تنظيم في كل بلد ولكن لا شيء يحول دون تنظيم العلاقة على أساس لبناني وهذا له فحواه كما سأحاول تبيينه. اما على صعيد المشرق فيبدو لي ان انتظامنا جميعًا في مجلس كنائس الشرق الأوسط هو الإطار الطبيعي لتلاقينا. هناك البحث العقدي وضرورة تعظيمه وإبلاغه المكانة الأولى. أنا لست بغافل عن أهمية الذياكونيا ومسائل التربية والشباب وما إليها ولكن الإيمان قلب القلب وان طغى هنا أيضًا علينا الصعيد العالمي لكون رومية والكنائس الأرثوذكسية تلتقي في مجلس الكنائس العالمي. هنا أيضًا يبدو لي ان المسألة الرعائية التربوية تطغى. هناك شرق مسيحي لم يعرف بعد كيف تتعاون حظائره ولكن ما وجب تشجيعه هو تعارف المسيحيين في العراق ومصر وهذه المنطقة أحدهم على الآخر. اني لقد تعلمت الكثير من الأقباط وحرارة حبهم للمسيح وتقول صفوتهم انها أخذت الكثير من أنطاكية في نهضتها الحديثة. وعندي علم بأن اخوتنا في فلسطين يطالعون إنتاجنا وتنتظم عندهم جماعات روحية مما يقرأون في كتبنا. ان تبادل الخبرات في الشرق العربي والعلم بأبعاد الشهادة في كل قطر من أقطاره لمن شأنه ان يبنينا روحيًّا بناء طيبًا.
ان مجال مجلس كنائس الشرق الأوسط قابل للاتساع إلى ما يراه السادة البطاركة فيما بينهم بحيث لا نبقى أسرى النظم الموضوعة. نحن في حالة شهادة واحدة وفي أوضاع مجتمعية متشابهة وفي مشرقية حضارية واحدة وحاضرون معًا في الوجود العربي تهددنا الملية بمعناها الإثني. كيف نخرج منها بلا تنكر للخصائص إلى رحاب المسيح الآتي في هواجس الإنسان العصري الذي لا بد اننا مدركوه في بركات الحرية. الفردانية التي عرفها الإنسان الأوروبي منذ عصر التنوير أو عند ظهور الاصلاح البروتستنتي، ا لمركنتيلية التي نحن عليها والإقبال المسرف على حضارة الاستهلاك، وهذه المادية التفهة التي نذوقها في هذا الوجود الاستلذاذي السطحي ترافق لونًا من التقوى طقوسيةٍ بلا فهم كبير في نوع من الطلاق بين الصلاة والحياة.
هناك انحطاط مسيحي قبلناه يخامر لونًا من الحضارة نتغنى بها ولسنا منها في العمق على شيء. هذا السقوط ليس أمامه سوى وجدان إنجيلي رهيف تهب رياحه حيث تهب في هذا الشرق ونتلقاه جميعًا بشكران.
ان نرى إلى المسيحيين في الشرق كتلة مقهورة بسبب من الإسلام وان نتفجع على ذلك وننتظر معجزة تحررنا من هذا القهر فصورة أقلها انها ليست كل الواقع. المؤمن بيسوع ينهزم أمام خطيئته فقط لأن المسيح قد غلب العالم. المؤمن ينطح رأسه عرش الله ومطمئن إلى خلاص يرثه منه كل يوم ولا يقع الا إذا كان صغير النفس. المؤمن لا تنطفئ فيه أنوار الملكوت لأنه قرأ: «ذاك الذي كان منذ البدء، ذاك الذي سمعناه، ذاك الذي رأيناه بعينينا، ذاك الذي تأملناه ولمسته يدانا من كلمة الحياة لأن الحياة ظهرت فرأينا ونشهد» (1يوحنا 1: ١ و2). المؤمن بالسيد الظافر تحرر من رهبة العدد. «لا تخف أيها القطيع الصغير فقد حَسُن لدى أبيكم أن ينعم عليكم بالملكوت» (لوقا ١٢: ٣٢). وفي سياق لوقا هذا الملكوت في داخلنا.
هذا الإحساس في حسباني هو كل شيء، في قراءتنا لتاريخ هذه المنطقة ورؤية مكانتنا فيها. هذا يأتي من قيامة المخلص التي لا يغلبها واقع. وببركاتها حضورنا شهادي، بارز، مواجه، محاور، غافر، صابر، راج. كل منا في أخطار من أمته ومن الأمم. والشهادة خلق وايجاب وسماحة وإخصاب. ولذلك كانت قمة الحماقة عندنا تحويل المواجهة إلى جبه عنيد قائم على قوى هذا العالم. الذين يسوسون هذه الدنيا ينتمون إلى الدهر الحاضر وإلى خساسة أرباحه. والمسيحيون لا يستطيعون أن يعطوا قوى هذا العالم شيئًا ولا مكان لهم في الموازين الدولية. كل حساب للمسيحيين المشرقيين يقوم على الانتفاع من السياسة الدولية في زمن النظام العالمي الجديد غباء. لست أعلم بعد ما ستكون سياسة روسيا ان هي نهضت روحيًّا ولكن في الزمن الذي نعيشه لا يبدو لي نور في الأفق. نحن مطروحون على صليب المسيح لذلك نحن قياميون.
طبعًا ليس مسيحيو الشرق مسؤولين عن الحركة الصليبية التي اجتاحتنا جميعًا خلال مئتي سنة. انها تركت في قلوب المسلمين أثرًا لا يمحى وهم يعانون كل ضغط من الغرب العلماني اليوم على أنه صليبية ولو كانت بلا صليب. من كان عنده الدين والدنيا مجتمعين لا تطلبْ اليه أن يفرقهما عند عدوه. ولكن المسلمين حساسون لمواقف الكنيسة إذا شجبت كل اعتداء يحصل عليهم من قوى عسكرية شعوبها مسيحية. ان المسافة المطلوبة بين الأمم الغربية المعتدية والكنائس من شأنها أن تحمل المسلمين على التفكير بأن المؤمنين بيسوع ليسوا بمعتدين. ومن واجب كنائس الشرق أن تدن كل مجزرة في الأرض. لماذا دينت إبادة اليهود ولا تدان بالصراحة نفسها إبادة المسلمين هنا وثمة؟
وهنا أود ان أذكر ان في الحركات الإسلامية المعاصرة إحباطًا قادها إلى رؤية ان الرجوع إلى الإسلام هو المنقذ وان الحكم الإسلامي قد يعيد لهذه الشعوب المستضعفة كرامتها. من هذا المنظار لا يصح النظر إلى الإسلاميين على أنهم انتفاضة على المسيحية. انهم اعتزال للقوميات التي لم تحقق للمسلمين حريتهم. وعلى قدر ما تكون الحركات الإسلامية مفعمة بالحياة الروحية الحقيقية تكون أقل تشنجًا من أولئك الذين لا يعرفون التقوى ولا يمارسون الصلاة.
يبقى اننا دعاة حوار على كل المستويات: على مستوى العيش المشترك في الأرض العربية جمعاء ابتغاء التلاقي الصادق في الأخوة الإنسانية. وهنا ما يسود هو همّ الفقراء الذين هم سادتنا كما يقول القديس يوحنا الرحيم بطريرك الإسكندرية. وخدمتنا خدمة كل الفقراء إلى أي دين انتموا. ما نتمناه هو تنمية كل الشعوب في العالم الثالث الذي نحن منه وبسط كل وسائل الإزدهار لها.
ثم الحوار على مستوى الفكر الديني وقد أخذ يبرز هنا وثمة والانتقال من المواقف الدفاعية إلى مستوى الرؤية اللاهوتية الصافية التي قد تمكننا من معرفة الحقيقة أنى وقفت وقد ذهب على هذه الدروب بضعة لاهوتيين فيالغرب إلى ان في الإسلام كما فيغيره تدبيرًا إلهيًّا وإلى أن أتباعه في رعاية الله. ولعل للمسيحيين الناطقين بالعربية دورًا هامًا في كشف كل ذلك. السؤال هو ما هي قراءتنا للإسلام من منظار إيجابي؟ ما مجال تلاقينا بعد أن قضينا الأجيال نركز على مساحات التنافر.
وقد يكون خيرًا من المواجهة الفكرية المباشرة أن نبسط الإيمان المسيحي بلغة يفهمها المسلمون. قيل الانثقاف. هل نحن نردد اللاهوت الذي صاغه آباؤنا بالمقولات الفلسفية اليونانية تردادًا؟ هل مضطر كل إنسان أن يكون اغريقيا أولاً ثم مسيحيًّا أم له ان يرى نور المسيح بلغة قومه؟ فإذا دعيت الأمم إلى إنجيل الخلاص في العصر الرسولي دون أن تتهود لماذا ينبغي أن يصبح كل البشر أغارقة العقل قبل ان يتمسحنوا؟
مهما يكن من أمر فنحن نعرض على المسلمين البضاعة التي نتميز بها وهي المحبة ثم نعرض الإلهيات المنبثقة عن المحبة ونتعايش ما مكنتنا اللغة من ذلك وما مكننا الانتصار على الهوى وندع لله احتضان التاريخ.
هذ ا يقودنا توا إلى تحسس المعية المسيحية على أرض لبنان والمشاركة الوطنية. اسمحوا لي هنا ببيان بعض من أطروحات أولها ان من الخطأ أن نسعى إلى تكتل مسيحي وإلى مواقف مسيحية ذات طابع سياسي نطرحها إزاء ما نفترضه تكتلاً إسلاميًّا. إذ ليس صحيحًا اننا في الصف المسيحي ذوو قراءة واحدة للأوضاع وما من طائفة واحدة لها مواقف موحدة. فالإيديولوجيات تعشش في صفوف المسيحيين وولاؤهم لها ولا شيء يدل انهم تباعدوا عن كنيستهم وإيمانها وعباداتها. أليس الجمع بين الكنيسة ومواقف سياسية مفترضة أو مفروضة من الأصولية؟ وإذا كانت كنائس الخارج تقع من حين إلى آخر بهذا التمازج بين العقيدة والسياسة وهذا ما نددت به الكنيسة الكاثوليكية على انه intégrisme أفليس إلصاق الكنيسة هنا بموقف سياسي محدد هو عينه الـintégrisme؟ ثم إذا كان ابنك مؤمنًا حقًا فبأي سلطان تقول له إن هذا الخيار هو وحده خيار الطائفة؟ وما يعتقد على انه خيار الطائفة هو بحقيقته اما نابعًا عن وجهائها إذا ما اجتمعوا أو تأمل أوساط إكليريكية غيرمروضة فيتنشئتها على الفكر السياسي وتجيِّر إلى سلطانها الكنسي فكرًا سياسيًّا ليس بالضرورة خير فكر. السياسة علم وتقانة لا قِبلَ لنا بهما.
ينتج عن هذا ان الفكر الوطني يسهم فيه اللبنانيون جميعًا على دروب الفكر. فليس من تتابع زمني بين فكر مسيحي وفكر إسلامي حتى يخرج من هذا التلاقي فكر وطني. ذلك ان ليس من فكر الا بالمواجهة والتحدي منذ البدء. ومن باب أولى ليس من فكر ماروني يُعرض على الكاثوليك ثم يُعرض على بقية المسيحيين لأن الفكر يتبلور بالمشاركة منذ اللحظة الأولى. لذلك كان من سوء السياسة ان نحبل بالشيء أولاً ثم نكشفه بانتظار ردة الفعل. نحن وراء فعل لا ردة فعل. كل هذا الفصل بين كتلتين في البلد تشنجات نحن بغنى عنها.
أنا لا أنفي تكوّن فكر ما في أوساط طائفة. اني أتكلم عن المواقف المعلنة ولا سيما إذا كانت صلبة هي تستدعي التصلب وكأننا نريد ان نسجل موقفًا لا ان نرى حلاً. لا أحد يقبل اتِّباع طائفة أخرى في الحقل الوطني أو تلاوة أمثولة لقنها هذا.
إذا افترضنا تعاونًا بين المسيحيين أقله على صعيد التشاور فهذا يهيئه تعاون مؤسسي ليس فقط بسبب أذى التشرذم ولكن في سبيل إعلاء كلمة الله. لماذا لا يكون لدينا هيئة تنسيقية لأعمال الرحمة أو للذياكونيا كما تسمى اليوم؟ لماذا يكون الآخر ولي نعمتي ولا نكون جميعًا أولياء بعضنا لبعض وفي ذهنية التسول في هذا البلد التحاق بمن كان له منة عليك. ولم لا يكون تنسيق في الاعلام فلا تنتج كل طائفة برنامجها في الإذاعات فتختلف الأذواق حتى التنافر والرفض الشرس؟ كيف تأتي برامج الميلاد أقل ميوعة أو برنامج الآلام غير مشحونة بألمية مريضة؟ أو كيف لا يشاور مركز الإعلام الكاثوليكي إنسانًا أرثوذكسيًّا عندما يذيع خبرًا عن أوضاع الكنيسة في أوروبا الشرقية مثلاً؟ الآخر قائم وأنت قائم به.
أما الحياة المشتركة في الوطن اللبناني في معطياتها الحاضرة فنستلهم فيها أولاً ان الكارثية ليست نفحة إنجيلية. لقد عشنا في هذا الشرق عسرًا شديدًا ونحن إلى عسر ولكن ملاحظتي التاريخية اننا أنتجنا في حياة التقوى من جهة وفي الآداب واللغة والتاريخ ما لم ننتج في عصر الإنتداب والاستقلال وكأننا سكرنا بالحكم والسؤدد فيه وتم هذا والكتلة المسيحية حتى اندمج الوطن اندماجًا شبه صوفي بالألوهة. لا، يا سادة ان هيئة هذا العالم تزول وليس لبنان مسلَّمة الهية ومجد المسيح يسطع فينا مهما ثقلت أحوال الزمان.
أضع هذه الأمور في نصابها وأؤكد بالقوة نفسها اننا سنموت في سبيل حرية هذا البلد وشهادته الحضارية. ذلك انه موطن الإناسة في هذا الشرق، هذا إذا تبنا عن معاصي الإنسان اللبناني وعيوب التركيبة اللبنانية. قد لا يكون البلد في خطر من حيث كيانه المادي بعد أن اعتُبر وطنًا نهائيًا. ولكنه مهدد في نكهته، في لونه، في تمايزه، في تلك الديموقراطية التي هي ليست أجمل نظام عرفته البشرية وحسب ولكنه أعظم من نظام لأنها الاعتراف الكبير بالمغايرة، بالتعددية إذا شئتم أي بشخصية الآخر من حيث هو آخر وبإمكان المشاركة الإنسانية في اختلاف يذهب إلى حد الخلف.
غير أن للديموقراطية إمكانيات تطبيق مختلفة تبعًا للفلسفات التي تسود الشعوب. ففي مجتمع كالذي نحن فيه لم يختبر التمخضات التي آلت بالمجتمعات الغربية إلى العلمنة، في مجتمع يؤمن أن الدين ليس فقط رباطًا فرديًّا يُسكت عنه في الجماعة لنا ديموقراطية ليست بالضرورة قفزة من الفرد إلى المواطنة والمجردة غير ذات مضمون ولكن الديموقراطية ممكنة في احتضان الجماعات الروحية التي تختلف في تطلعاتها وثقافاتها وأذواقها ورؤيتها لمسائل كثيرة.
ألا تقول هذه الجماعات متآلفة بلا مقهورية كلمتها فهذا يعني إزالتها من إغناء الآخرين. اللبناني لا يستحيي بأعماقه الدينية ولا يحجبها ويلاقي الآخر انطلاقًا منها. تاليًا هي تحديدًا تصب في السياسة. ما أود تأكيده هنا ان اشراكنا الأسر الروحية في الشورى الوطنية ليس تخلفًا في النضج السياسي ولكنه طريقنا فيالنضج. ليس ما يثبت أن النموذج الغربي في الحكم الذي لا يتعرف الا إلى أفراد أرقى نموذج عيش. اعتقادي انه يجب ان نتمسك باعتزاز بالمعايشة الطوائفية والتعبير السياسي عنها. الآفة ليست في النظام ولكنها في التعصب واستغلال الطوائف. الفساد في التربية.
المشكلة حاليًا ان إلغاء الطائفية السياسية أقره الدستور في المادة الـ9 الجديدة. ولكن الدستور ليس مُنزَّلاً. حرية التحرك يمكن أن تكون ضد النص الدستوري نفسه أو تتعلق بزمن ترجمته إلى قانون وضعي أو ترتبط بمراحل تطبيقه. انها لخطوط دفاعية مختلفة.
هنا الحكمة تقضي – وفق الطروحات التي بينتها – ان يكون الجهاد جهادًا وطنيًّا لا مسيحيًّا وأن يسبقه تشاور واسع لا يعلن عنه ابتغاء خطة عمل تهدف إلى استبعاد القانون أو أقله إلى قضمه أو توزيعه إلى مراحل. والمهم اتقان الخطاب السياسي فيه بحيث لا يأتي الرفض نتيجة خوف من الوضع الديموغرافي.
وإذا رأى مجلسكم الكريم أن يدلي بدلوه في هذا الشان فالتكتية تقضي بأن يأتي الكلام لينًا أشبه بالنداء وعرض التشاور لئلا ينفصل عنكم من كان معكم من المواطنين.
هذا وكان الله معكم.
Continue reading